النسخة الورقية
العدد 11148 الخميس 17 أكتوبر 2019 الموافق 17 صفر 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    4:18AM
  • الظهر
    11:23AM
  • العصر
    2:41PM
  • المغرب
    5:08PM
  • العشاء
    6:38PM

كتاب الايام

قول على قول..

الكيمياء الجامعة بين التعدد والحرية والديمقراطية

رابط مختصر
العدد 10564 الإثنين 12 مارس 2018 الموافق 24 جمادى الآخرة 1439

ما يصلني من تعقيبات من عدد من الأصدقاء من المثقفين والأكاديميين الذين يتفاعلون مع بعض ما أكتب، يثري المطارحات ويغنيها ويدقق بعض ما جاء فيها من الأفكار أو آراء ويحلل ما ورد من تحليلات ويصحح ما قد يعتريها من خلل، ولذلك أجد لزامًا عليّ أن أدفع بالقيم منها إلى النشر في هذه المساحة مع الاختزال غير المخل، لما تضمنته من قيمة ملهمة في بعض الأحيان.

ففي المقالتين المنشورتين الأسبوع الماضي تناولت بالعرض والتحليل علاقة التنوع والاختلاف وثقافة التعايش بأزمة الديمقراطية في البلاد العربية، في سياق ما يمح به المقام، وقد وردني تعقيبان أرهما مكملين لما حاولت عرضه ونقاشه بصورة إجمالية.

- التعقيب الأول من صديق غزير الثقافة والعلم، أراد ان يدقق بعض ما أثير في المقالتين، وفيما يلي موجز التدقيق:

«قرأت المقال غير مرة. وأوافقك الرأي تمامًا على الرسائل العامة التي تضمنها (وخاصة النتائج المرتبة على ما سيق فيه من مقدمات)، غير أنني وددت لو أن عرض الثالوث الآتي: (1) التعدد (التنوع والاختلاف) و(2) الحرية و(3) الديموقراطية كان، في مقالكم، أوضح وضعًا وأقل تداخلًا (رغم الترابط المنطقي والوظيفي والعملي في الفكر والممارسة معًا). إذ أن التعدد واقع مستقل عن إراداتنا، لا ينفع إنكاره، لكن الاعتراف به والقبول به فضلًا عن الترحاب به أمور غير بديهية وبعيدة عن أن تكون تحصيل حاصل لدى الجميع، زيادة على أنها متدرجة على سلم المدنية. فبين إنكار واقع التعدد (رغم كونه ضرورة وحتمًا) والإقرار به من ناحية، والقبول به واحترامه وحمايته من ناحية ثانية.

فرق جوهري هو الوعي بالحرية كقيمة، أي اعتناقها كمبدأ وفلسفة، والنظر إليها كطبيعة ومزية، وتقديرها كحق مستحق بالتساوي بين المتعددين لتساويهم في مزايا الطبيعة الإنسانية، وهذا الوعي هو وحده ما يبرر (من دون أن يضمن) المرور -على صعيد الموقف من التعدد والتعامل معه- إلى الديمقراطية التي هي أسلوب مدني يتوخى نهجًا عقلانيًا تعاقديًا جامعًا (يتبادل المتعددون بوساطته الاعتراف، فلا يقصون بعضهم بعضًا، ولا يركنون إلى العنف، ويضعون القواعد التي تحمي الحريات وتحفظ للأقليات مكانًا وتمنحهم صوتًا). فالتعدد واقع، لكن المواقف منه موفية على احتمالات بعضها مدنٍ يفتح باب التعايش وبعضها بدائي يفتح الطريق إلى حياة الغاب. والطريق إلى باب التعايش (باب التمدن والتحضر) هو الإيمان بقيمة الحرية، فالإيمان بهذه القيمة هو شرط توافر الثقافة المدنية الجامعة للمتعددين والمرحبة بالتعدد (وعلى قدر الأخذ بها يكون النأي عن البديل البدائي الإقصائي والعنيف الذي لن يفرز إلا ما يشبه الانتخاب الطبيعي وتكريس مبدأ البقاء للأقوى /‏ الأعنف). وهذه الثقافة هي التي تؤسس لتوخي الأسلوب الديمقراطي في إدارة التعدد؛ فينشأ بفضلها -من حيث هي حل مدني سلمي إبداعي متوازن-للمتعددين كيان جامع هو أكبر من مكوناته منفردة، ليكون لها فيه مكان وصوت، وإليه انتماء وولاء، ومن أجله وظيفة ودور. 

إن ما عنيته هو أن التعدد واقع والحرية قيمة والديمقراطية أسلوب إدارة. وهذه المفاهيم، وإن ترابطت وتكاملت، مختلفة من حيث حقائقها ووظائفها. وإدراك كون التعدد واقعا مستقلا عن إراداتنا أمر مهم جدًا لأنه يوقف الجميع على أن إنكاره هوس ومكابرة وجهل وعبث. كما أن إدراك كون الحرية قيمة أمر مهم جدًا لأنه يكشف عن أن حقيقة التعدد تضع المجتمعات البشرية في مواجهة بديلين لا ثالث لهما: فإما سلوك الطريق البدائية إلى الغابة أو سلوك الطريق المتحضرة إلى المدينة. فبيان الأمر على هذا النحو يكشف كم أن من يختار طريق الغابة يكون قد ناقض البداهة، بحكم أن المكان اللائق بالبشر هو المدينة (لاحظ هنا كيف أن تاريخ البشر وقصة الحضارة هو تاريخ وقصة تلك الرحلة الطويلة والراشدة من الكهف إلى المدينة)، وبيان الأمر على هذا النحو يكشف، أيضا، كم هو مفارق وبارودي ومأساوي ومهزلي معا أن يتوجه البعض (ونحن العرب من هذا البعض) إلى العيش في المدينة آخذين معهم إليها نهجهم البدائي لتتحول المدينة على أيديهم إلى مجرد أسوار تتلفع بها الغابة التي في جوفها!!! وبيان الأمر على هذا النحو، أيضا، يوضح أن الديمقراطية هي أسلوب إدارة التعدد، يرسيه بالتبع، من قرروا أن يجعلوا الغابة خارج أسوار مدينتهم والبدائية خارج دائرة وعيهم، أي أسلوب يتوخاه من قرروا التعايش داخل المدينة لا مجرد العيش فيها، واحترام التعدد المؤتلف بين جنباتها لا مواجهته ببدائية ما وراء أسوار المدينة من أحراش ووحوش.

وباختصار - والكلام ما يزال للصديق- فإن التعدد والحرية والديمقراطية عناصر من انسجام كيميائها تنشأ المواطنة ومن تنافرها وعطالتها تبطل المواطنة وتنهار المدنية والمدينة. وفي المشهد العربي الراهن حواش شارحة -بليغ الشرح-لما تقدم من متن هذا التعقيب».. انتهي التعقيب الأول.

أما التعقيب الثاني فهو لصديق أكاديمي، نتعلم منه كل يوم، يقول في موجزه غير المخل:

«العجز عن إدارة الاختلاف إقرار بوجوده وقبوله وهذه إحدى مكامن دقة اختيار عنوان المطارحة، والمضمون يربط بين واقع الاختلاف الناجح عن واقع التنوع أصلا، ولكن الإقرار بالتنوع والقبول به هو الأساس، وبذلك يمكن ان نصل إلى واقع الاختلاف في الرأي كمصدر من مصادر القوة والثراء، وهذا إذا ما حصل في سياق الحرية واحترام القانون يوصلنا بالضرورة إلى نوع من الديمقراطية، ليست بالضرورة كما تلك التي تعرفها البلدان الأوروبية ولكنها تظل ديمقراطية نسبية. وإضافة إلى ما جاء في مقالتيكم، فإني أرى أن الحاضنة الثقافية هي السبب الأساسي لكل انغلاق وقاعدة كل رفض للحرية، حيث لا مكان للفرد ورغباته، ولا مكان لأية أفكار جديدة إلا عرضيًا (في الزمن) أو هامشية. والحاضنة الثقافية المشبعة بنمط أحادي يحتوي ثنائيات في كل الوضعيات تغذي المظلومية بحسب الأزمنة والاتجاهات. ويكمن الفرق أحيانًا في اختيار الآليات بينما المبررات والأهداف واحدة. (داعش وما شابهها -جماعات الثأر المذهبي وغيرها تنويعات لتلك الإشكالية الثقافية). كما أرى أن إنقاذ الشباب معلق على إرساء قواعد العدل والإنصاف الدولي، بخاصة في ضوء إدراك الشباب نقصها أو غيابها في قضايانا العربية والإسلامية تحديدًا، وهو ما يولد خيبة أملهم بوجود عدالة دولية، وأرجو ان لا يتوهم البعض أننا نحن الكبار نفهم أكثر أو أعمق من شبابنا، حتى وان شط وتطرف في بعض الأحيان، وعليه لا مناص من الإنصات اليهم بعمق وصبر، لان عقولهم ونفوسهم على الأقل لم تدنسها بعد ضرورات المجاملة والنفاق المشتقين من عالم الكبار».. انتهي التعقيب الثاني.

ومن الواضح أن خلاصة القول المتفق عليه، وان اختلفت اليه التحليل والاستنتاج هي أن التعدد واقع والحرية قيمة والديمقراطية أسلوب إدارة، وأن الحاضنة الثقافية منتجة لنوع من الأيديولوجيا التي تغيب الوعي وتشوه وتزيفه بإحلال رؤية أقل ما يقال فيها أنها عمياء لا علاقة لها بالعقل او العقلانية.

وعلى مستوى النتيجة فإن التنوع، باعتباره واقعًا لم نختره، لا يمكن القفز عليه او محوره أو تجاهله في سياق مجتمع حر، والديمقراطية لا يمكن أن تنشأ إلا مع الحرية والإرادة الحرة، ومن هذه العناصر تولد المواطنة، والمواطنة إن فقدت عنصر المساواة العادلة، في ظل القانون، تختل ولا تستقيم.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها