النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 11198 الجمعة 6 ديسمبر 2019 الموافق 9 ربيع الثاني 1441
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    4:47AM
  • الظهر
    11:29AM
  • العصر
    2:26PM
  • المغرب
    4:46PM
  • العشاء
    6:16PM

كتاب الايام

من وحي مقال!!

رابط مختصر
العدد 10561 الجمعة 9 مارس 2018 الموافق 21 جمادى الآخرة 1439

 لولا أن الصدفة قادتني في يوم الثلاثاء الماضي إلى قراءة مقال للكاتبة البحرينية خولة مطر، منشور على موقع جريدة الشروق المصرية الالكترونية بتاريخ 25 فبراير الماضي، تحدثت فيه عن زيارة لها لروسيا، وخصت بالحديث عاصمتها التاريخية موسكو تحديدًا لكنت قد خصصت مقال هذا اليوم للحديث عن الحرب المدمرة في سوريا عمومًا، وبالتحديد في الغوطة الغارقة في دماء أبنائها من النساء والشيوخ والأطفال والشباب بدعوى محاربة الإرهاب، أمام صمت عالمي وتراجع في الحس الإنساني مخيف إزاء ما يجري هناك. هذه الحرب المدمرة يشنها الروس بالتحالف مع النظام والمليشيات المتطرفة التي استجمعتها إيران من كل حزب مذهبي في كل من العراق ولبنان وأفغانستان. الحديثان مختلفان في ظاهر الأمر، وإن كان الجامع بينهما موسكو، لكني وجدت أنه لا بأس إن خضت في شأن موسكو من الزاوية التي تناولتها الكاتبة وأومأت بالتصريح أو التلميح إلى فعل الساسة في الكرملين بموسكو عاصمة جمهورية روسيا الاتحادية.

 شدني المقال صراحةً وانغمست في قراءته سعيدًا بما كنت أكتشف فيه، منتشيًا إلى درجة أني كنت أستشعر وخزًا مستمرًا وأنا أقرأ هذا المقال في مواقع ساكنة في الذاكرة منذ عقود تقارب الأربعة، لكنها، أصدقكم القول، مازالت طرية غضة ترفض التقادم، وتقاوم مزاحمة المستجد من المواقف لها. وأحسب أن ما لم تستطع السنوات المنصرمة تغييره فإن فعل الساسة وخططهم، وتنفيذ العسكر الميداني كفيل بردم كل ما شيدت من جميل الذكريات وحلوها عن هذه المدينة العملاقة بناسها وبتاريخها الذي يحكي أدبًا وفنًا وعمارة وبطولات. 

 مقال الكاتبة الذي فيه صورت بعدسة قلمها الطريق من المطار إلى الفندق، وتحدثت حديث مثقف عن مَواطنِ الثقافة والجمال والتحضر في هذه المدينة، وأشارت إلى طيبة «الموسكوفيين»، كان يتوافر على كثير من عناصر الجذب التي تشدك إليه، مفردات وعبارات وموضوعًا، فعندما يكون الكاتب الصحفي مهتمًا باختيار مفرداته الرشيقة، دقيقًا في صوغ عباراته الأنيقة وملمًا بجوانب الموضوع محل التناول، وعلى درجة من الثقافة تؤهله ليشاركها مع قارئيه، فإنه بذلك يضمن إعطاء ما يكتبه بعدًا إغرائيًا يجتذب إليه القارئ أيًا كان! وهكذا كان فعله معي.

 قرأت المقال فتخلق لدي شعور بأن الكاتبة تسجل بعض تفاصيل يوم «موسكوفي» شتوي تصل درجة حرارته إلى ما دون 16 درجة وأكثر، ولأي فرد ممن درس في ذاك البلد الجميل يعني شتاء موسكو الكثير الكثير، فقساوة القر يخفف وطأتها جمال المدينة ودفء روح أهلها وناسها. وإنني لأحسب أن كل من قرأ هذا المقال، وخصوصًا ممن أمضى سنوات دراسته الجامعية فيما كان يسمى في الفترة بين 1917 و1991 بالاتحاد السوفيتي، فإنه حتمًا قد امتطى راحلة الزمن ليعود إلى الخلف معاكسًا حركته ليصل إلى حقبة الاتحاد السوفيتي، ويعنيني هنا التحدث عن موسكو تحديدًا مثلما تحدثت عنها الكاتبة، فمن عاش في موسكو وقرأ ما حبّرته كاتبتنا يستشعر همسًا شفيفًا لذكريات ليس من السهل أن تزول. فهذه المدينة أمضيت فيها شخصيًا سنوات ست أعدها من أكثر سنوات عمري استفادة.. واستمتاعًا!! ففيها نحن البحرينيين بنينا صداقات متينة فيما بيننا وبين الآخرين، قد تكون ضعفت اليوم، ولكنها أبدًا تعاند السنين فلا يمكن لها أن تمحو أثرها مهما توالت في مسرد الزمن.

 امتثالاً لضغط عاطفي أثارته أجواء مقال الكاتبة، فقد غيّرت وجهة القلم باتجاه هذه المدينة التي أمضيت فيها سنوات ست تركت فيّ أثرها حنينًا دائمًا بسبب سحرها وطيبة أهلها وإنسانيتهم التي تتناقض تمامًا ما يرسمه ساستها اليوم، وما يقوم بتنفيذه في سوريا عسكريوها. هؤلاء الجنود الذين يحكي التاريخ بطولاتهم في الحرب العالمية الثانية وإسهامهم في دحر الفاشية والنازية. لا أخفي عشقي لهذه المدينة الجميلة، غير أن أكثر ما أخشاه عليها هو أن يلطخ فعل السياسيين ما ارتسم في الذاكرة من معالم جمالها. أشارت الكاتبة خولة في مقالها إلى جماليات الشوارع، وتخيلت أن خيول القيصر وعرباته وحاشيته في موسم الاحتفالات تشق هذه الشوارع مختالة فخورة. هذه الإشارة استدعت لدي صور القادة السوفيت في الساحة الحمراء وهم يشاهدون استعراض الجيش الأحمر، لتعود بي الذاكرة إلى ما قبل حرب أفغانستان، فأتساءل: هل بات قدر هذا الجيش أن يصبح مسخرًا لطحن الشعوب التواقة للحرية؟ حقيقة لا أعرف الإجابة ولا أملكها، ولكني أقيس في تلمس معالمها مواقفي وفق معطيات الماضي وليس الحاضر.

 فهل يسهم صلف الساسة الروس وعنف طيرانهم في الغوطة بعد إدلب وحلب في هدم معمار الذكرى الذي شيدناه في مخيلتنا نحن الدارسون في موسكو؟! هل تتآمر الآلة الحربية الروسية على ما خبأناه في ذاكرتنا من جمال موسكو وأهلها مع مكر الزمان لتحول دوننا واستحضار الجمال الماضي وترغمنا على معاينة الحاضر الدامي البشع؟ فلك الله يا ذكرياتنا الجميلة، ولك الله يا إدلب وحلب والغوطة، وكل بقعة في سوريا التواقة إلى استنشاق نسائم الحرية التي يعطل حصول الشعب السوري عليها إصرار القادة القابعين بمبنى الكرملين في موسكو، هؤلاء القادة الذين أباحوا لأنفسهم ارتكاب كل المنكرات والموبقات في سبيل كرسي يقام على هيكل من جماجم الأبرياء!

 أشعر أن مقال الكاتبة قدح لدي فكرة الكتابة عن موسكو، عن المدينة البهية التي تزداد بهاء عندما عندما تقف أشجار غاباتها ومتنزهاتها وحدائقها عارية من أخضر أوراقها في انتظار الثلج ليكسبها الحلة البيضاء. هذا ما أعد به القارئ في القابل من الأيام.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها

رأيك يهمنا