النسخة الورقية
العدد 11059 السبت 20 يوليو 2019 الموافق 17 ذو القعدة 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    3:27AM
  • الظهر
    11:44AM
  • العصر
    3:12PM
  • المغرب
    6:31PM
  • العشاء
    8:01PM

كتاب الايام

معضلة قطر وحالة تضخم الذات (48)

رابط مختصر
العدد 10560 الخميس 8 مارس 2018 الموافق 20 جمادى الآخرة 1439

من الخطأ أن نتصور أن ضرب الحصار والمقاطعة تم فقط على انظمة عقائدية في فترة الحرب الباردة، كالنماذج التي استعرضناها لنرى مدى جدوى سياسة الحصار في تغيير النظام السياسي داخلياً وتحقيق انفجار شعبي نتيجة لذلك الحصار. 

إن من يقرأ تاريخ ثورة اكتوبر الاشتراكية في 1917، فقد مرت بحصار طويل حتى تاريخ الانهيار، ولكن الدولة السوفيتية الفتية قاومت طويلا تلك الالة الجهنمية عبر إرادة شعب وحزب وعقيدة. هذا النظام الروسي /‏ السوفيتي الجديد، دخل طوال تلك العقود في محنة الانفاق العسكري والامني على حساب التنمية، فكان من السهل لذاك التناقض في الانفاق بين حاجة العسكرة وحاجة التنمية المجتمعية، اختراقه من النظام العالمي، ليتهاوى في النهاية التمثال الاشتراكي الكبير. 

لن نتوقف في تفاصيل وتموجات الحصار على الاتحاد السوفيتي، الذي لم ينجح بكسر الطوق كاملا لا في عملته ولا في حجم وطبيعة التبادل التجاري والسياحي، ولا في قدرته على اختراق الاسواق والاستثمار الخارجي. 

فإذا ما كانت امبرطورية بحجم الاتحاد السوفيتي طوال العقود السبعة لم تنجح في اصطياد عناصر التخريب او حيتان العملة والسوق السوداء، فإن من نهبوا الدولة المنهارة جاؤوا من قلب النظام وداخل الحزب وخارجه، لنشهد برجوازية روسية جديدة بملامح طفيلية، ولكنها تشكل في دول العالم اليوم «سيد الاستثمارات الجديد» المرحب به في كل مكان. 

ولا يهم فالعالم الغربي والولايات المتحدة ذات يوم رحبت باموال واعمال «المافيا الايطالية» فلا مانع في التعامل مع نفس المؤسسات السابقة من «المافيا الروسية» او «الصربية» او حتى «الافريقية» وغيرها، فالمال عسل الدنيا الشهي، وكل الابواب المغلقة تفتح له وتكسر حصارها القديم وتسيّج وتبني علاقات جديدة بسادة العالم الجدد في منتزهات «القمار» المخملية. 

أما النموذج الغريب والعجيب من نماذج الحصار فهي دولة اسرائيل، التي وجدت نفسها بشكل طبيعي واتوماتيكي في حالة حصار من دول الجوار العربي، باعتبارها دولة ولدت في بيئة عربية وبوضع استثنائي تاريخياً. 

كيف عاشت دولة اسرائيل طوال تلك العقود السبعة في محيط يحاصرها؟. شكلت جغرافيا البحر المفتوح منفذاً للسلع والعلاقات الخارجية والفضاء المفتوح من خلال الطيران، الذي جعل رئة الاقتصاد الاسرائيلي حياً منتعشاً متنامياً. هذا الازدهار كانت مصادره قبل كل شيء الدعم الخارجي الكبير من الغرب والولايات المتحدة، الى جانب الراسمال اليهودي الضارب في المؤسسات، فتم حقن الاقتصاد الجديد للدولة الناشئة، وتم التركيز والاستثمار على الانسان وعلى بنية النظام العسكري لحماية الدولة في مجتمع مؤسساتي انتخابي وديمقراطي، أتاح للحريات البحثية والاستثمارات بالتفوق في تمكين بنية النظام، بالرغم من انه محاصر ومحاط بحلقة واسعة من الدول العربية المعادية. 

لم يكن في النهاية إلا حصاراً جغرافياً وسياسياً وثقافياً وشعبياً دون أي تأثير اقتصادي، وتجاذبته صراعات وحروب دامية. ولذا نجد أن عبارة «التطبيع» هي انعكاس لحقيقة ان هناك حالة حصار وعزلة تتم المحاولة لكسرها واختراقها، وهي لن تنجح عنوة ولا بالقهر او القوة وتغيير قناعات الناس والمجتمعات بسهولة وبين ليلة وضحاها، ونقل ثقافة الكراهية والرفض والصراع الى ثقافة القبول والتسامح والتعايش بعصا سحرية. 

لتلك الحالة المستعصية أرضية وشروط وسقف ركائزها وعلاجها طويل الأمد، ومفتاحها القبول بالدولتين على أسس حقوق متساوية بين الشعبين. وقد سبق أن تم التفاوض حولها مراراً غير انها تعثرت وتجمدت، ولكنه حوار وتفاوض ليس بمستحيل او غير ممكن في عجلة التاريخ، الغير ممكن هي المعايير الانفعالية والعاطفية، فعالم السياسة لا يؤمن بأن الابواب مغلقة في الصراع بين الاطراف بصورة أبدية. 

إسرائيل لم تتعثر تنميتها خلال هذه المدة بقدر ما نرى مدى حالة التدهور في دول الطوق نفسها بل وحتى البعيدة منها كايران والعراق وليبيا، والتي كانت ترى عملية الحصار لاسرائيل ضرورة تاريخية الى جانب ضرورة ازالتها من الوجود. عاش المجتمع الاسرائيلي منذ التأسيس على أسس التجمعات الاستيطانية الجماعية (الكيبوتس) في نمط الانتاج الزراعي والاستهلاكي وهو نمط من أنماط الانتاج الاشتراكي التعاوني، ولم يتم الغاء وتراجع هذا النمط إلا مؤخراً، فكان الاعتماد الذاتي في توفير السلع، بخلاف دول نفطية كليبيا وفنزويلا فشلت في توفير سلع داخلية من انتاج وطني. فشل الكوريون الى حد بعيد والكوبيون بنسبة اقل في اقتصادهم المتعثر، والذي يواجه صعوبات. 

كسر في نهاية المطاف الاقتصاد والنظام الاسرائيلي الحصار عبر حلقة الاردن ومصر باقامة علاقات طبيعية، ويراهن على الوقت بإذابة جليد التوتر الانساني والثقافي بينه وبين الانظمة العربية وشعوبها.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها