النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 11560 الثلاثاء 1 ديسمبر 2020 الموافق 16 ربيع الآخر 1442
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%
  • الفجر
    4:44AM
  • الظهر
    11:26AM
  • العصر
    2:25PM
  • المغرب
    4:45PM
  • العشاء
    6:15PM

كتاب الايام

العجز عن إدارة الاختلاف إنقاذ الشباب من جماعات التعصب والتطرف

رابط مختصر
العدد 10559 الأربعاء 7 مارس 2018 الموافق 19 جمادى الآخرة 1439

إن المتأمل في المسالة الديمقراطية وتداول فكرها والتعاطي معها عمليا، يلاحظ ان هنالك هوة بين ما يقال وبين ما يمارس، وخاصة فيما يتعلق بتصنيف الناس الى فريقين لا ثالث لهما: (مع أو ضد)، والتوجه إلى إلغاء فردية الفرد واستقلاله الفكري في مواجهة الجماعات الاديولوجية التي لا ترى للفرد استقلالية فكرية حرة. كما بينا في المقال السابق. فالديمقراطية الحقيقية مبنية على الحرية، وليس على مصادرة الحرية، ومبنية صراحة أو ضمنا على حقوق تكفل لكل فرد ولكل فئة اجتماعية حريات التفكير والتعبير والتنظيم، والعمل في إطار ديمقراطي سلمي لا يستطيع أحد التنكر له أو الخروج عنه إلا وأدانه القانون والمجتمع، أما حينما تشذ جماعة حزبية ما عن المسار العام للعبة الديمقراطية، فإن القوانين السائدة والثقافة السائدة والرأي العام السائد سريعا ما يكشف انحرافها وخطرها، ومن ثم تتم معاقبتها إما في المحكمة وإما في صناديق الاقتراع العام. 

وفي كل بلد ديمقراطي، غربي أو شرقي، شمالي أو جنوبي، جماعات حزبية متطرفة باسم الدين أو باسم العرق أو باسم المعتقد السياسي، لكن هذه الجماعات تظل في الهامش الذي يسمح لها بالتعبير عن أفكارها كغيرها لكنها تظل واعية جيدا بهامشيتها، أما حينما تتبنى منطق العنف وتمارسه في لحظة ما، فإن قمعها المؤكد لا يعود عقابا من السلطة السياسية أو من خصم أيديولوجي محدد بل هو عقاب يتم باسم القانون العام وثقافة الأغلبية العظمى من المجتمع.

أما عندنا فإن تجاوز القانون يحدث بشكل مستمر من بعض الجماعات الحزبية، دينية كانت او سياسية، ومع ذلك فإنها لا ترى في التطاول على القانون او الدستور أمرا غريبا، بل قد تراه شكلا من أشكال النضال السياسي، وهو ما يدعو الى بذل جهد كبير في مجال التنمية السياسية للمجتمع ككل، بما يجعل الديمقراطية مرادفة لتطبيق واحترام القانون من الجميع، حاكما ومحكوما. 

وإذا كان لكل فرد الحق في التمتع بمكتسبات أساسية يكفلها له المجتمع كالتعليم والأمن والعمل والكسب والحياة الشخصية الحرة فإنه غالبا ما ينفس عن أزماته واحتقاناته الخاصة بطرق رمزية سلمية، يعتبر تجاوزها خروجا عن القانون يفقده الكثير من الحقوق إلى أن يعود إلى المسار العام للحياة السوية، باعتبار هذه الممارسات صارفة لطاقات الغضب والعنف في أقل الاتجاهات ضررا على الفرد وعلى المجتمع.

إن الخطاب الأيديولوجي الذي ينزع إلى الجمود والتشبث بمصالح فئوية ضيقة، لا بد أن يؤدي استمراره سيطرته على المجتمع لفترات طويلة إلى الفساد والجمود المولد لمختلف أشكال الاحتقانات التي ما إن تنفجر حتى تتحول إلى طوفان هائج يدمر كل شيء في طريقه، خاصة في ظل عدم القدرة على إدارة الاختلافات بين المجموعات المختلفة داخل المجتمع الواحد.. ولعل هذا ما يفسر انجراف عدد كبير من الشباب العربي إلى هاوية العنف والتطرف. 

وبالرغم من أنه قد يكون من الصعب تحديد كافة الأسباب التي تجعل بعض الشباب يرتمي في أحضان التطرف، لأن الامر يتطلب دراسات علمية. ولكن من السهولة بمكان التعرف على الأسباب المباشرة المرئية والملموسة، والتي تتوزع مسؤوليتها بين ضعف تربية الناشئة أسريا واجتماعيا، إذ لم تعد العائلة في المجتمعات الحديثة، تضطلع بدورها في تعزيز القيم والمثل بالمقدار الكافي، وذلك لأسباب مادية واجتماعية واقتصادية وثقافية، فالأب والأم يعملان معا في كثير من الأحيان، ولم يعد لهما الوقت الكافي لرعاية أبنائهم، ولذلك يلقون بالمسؤولية في تربيتهم على المجتمع بصفة عامة، وعلى المؤسسات التربوية بصفة خاصة، والتي عادة ما يكون جل تركيزها على التعليم أكثر من اهتمامها بالتربية. 

وهذا يدعونا إلى إعادة النظر في الكثير من الأشياء التي لا تساعد الشباب وهو في سن المراهقة على أن يتعلم كيف يميز الصادق الحقيقي من المزاعم والافتراءات.

وحتى لا يكون تكوين الشاب تكوينا سليما، يتوجب التركيز على دائرتين أساسيتين: 

- الأولى الربط الأساسي بين العقل والوجدان بحيث يجب أن يتعلم الفرد ان العقل أساسي في التعامل مع الآخر والمجتمع بنفس القوة مع الوجدان وان يرتبط العقل بالأخلاق، وأن يرتبط الوجدان بالتعقل. 

- الثانية هي دائرة الحوار إذ أن كل الثقافات العالمية قامت وتقوم على فكرة الحوار بمعنى ان كل ما يهم الحياة الشخصية، وأول ما يهم الحياة الاجتماعية والسياسية والعالمية والإنسانية، يمكن أن يتكون ويتطور بالتحاور السليم وليس بالعنف مهما كان نوعه.

هذه الفكرة هي التي انبنت عليها فلسفة الأنوار منذ كانط، وانبنت عليها الحداثة بصفة عامة باعتبار أن حداثة الغرب قد كرست سلما أبدية داخل رقعته الجغرافية وإن كانت تتقبل العنف خارجها، فلا بد أن نعلم أجيالنا أننا لن نتطور إلا إذا اعتبرنا أن حل مشاكلنا كلها، لا يتم إلا بواسطة الفكر والعقل والحوار والتحاور لا غير. كما لا بد أن تقوم التربية على فكرة تعلم الحرية، لأن الحرية يجب أن نتعلمها، وليست كلمة بلا معنى. ولا تعني مطلقا الفوضى والحرية في فعل كل شيء، بل ان الحرية تقف عند حدود حرية الغير، لا تحدها إلا حرية الاخرين وحقوقهم المقررة، ولا بد من ربطها بالقوانين الضابطة للمجتمع وان تكون المواقف الحرة مبنية على هذا التعلم.

وأخيرا لا بد من التوضيح ان بناء الشخصية الكاملة للشاب قد أصبح اليوم يرتبط بمساحة واسعة من الخيارات فأمام كل شاب مهما كان مستواه عدد لا نهائي من الخيارات في نمط الحياة يراها ويعاينها لا في الشارع فقط، لأن الشارع أصبح متنوعا، بل وأيضا في وسائل الإعلام المتكاثرة، وفي الآليات التكنولوجية المتطورة. 

همس

بعد منتصف الليل أسأل في سري:

 من أكون؟

هذا الطريق ليس طريقي، 

ولا هذي الوجوه وجوهي.

والأصوات.

وهذه الشجيرات 

لا تين ولا زيتون، ولا بحر.

اسمي ولا قلب. ولا عطر.

قبض السحاب.

لا ماء ولا نخل.

في سقف السماء صوتي

 يهطل مع المطر.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها