النسخة الورقية
العدد 11060 الأحد 21 يوليو 2019 الموافق 18 ذو القعدة 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    3:27AM
  • الظهر
    11:44AM
  • العصر
    3:12PM
  • المغرب
    6:31PM
  • العشاء
    8:01PM

كتاب الايام

معضلة قطر وحالة تضخم الذات (47)

رابط مختصر
العدد 10557 الإثنين 5 مارس 2018 الموافق 17 جمادى الآخرة 1439

لم ينجح مشروع حصار ليبيا بالمعنى المطلق، ولم تصبح ليبيا بلداً قابلاً للانكسار بسهولة، فوفرة النفط وقلة السكان قياساً بمساحة البلاد مع سلطة غاشمة متمترسة وراء أجهزة أمنية وعسكرية أحالت قدر البلاد في قبضة رجل واحد يقرر مصيرها وسياساتها. 

كان للنظام الليبي حلفاء وأصدقاء ومحاور ومصادر تموين تجارية واستثمارية، بل وتحولت السوق السوداء لشراء قطع الغيار سهل الحصول عليها وان كان بتكلفة كبيرة. 

محنة الحصار وعزلة المجتمع الليبي جزء منها جاء من ممارسة النظام إزاء شعبه، خشية من تأثره من القوى الخارجية المعادية. غير أن النظام نجح في توفير السلع الأساسية التي كانت تتدفق عليه من منافذ حدودية واسعة كمصر وتونس ودول افريقيا فيما كان الامتداد البحري لشواطئه مفتوحة على بلدان شرق أوسطية، شهيتها كانت مفتوحة للأموال الليبية ونفطها كما هي ايطاليا واسبانيا ومالطة وقبرص واليونان. 

حاولت الولايات المتحدة وضع العقوبات على شركات غربية والمانية تبيع من الابواب الخلفية قائمة الممنوعات، ولكنها في النهاية لم تستطع ان تمنع شركات بلادها من التسرب عبر وكالات ووسطاء آخرين لهاثهم للأرباح الباهظة تغلبت على التزاماتهم الدولية والقانونية. 

أمراء الحرب والسوق السوداء سنجدهم ينشطون على الدوام في تلك البيئة الدنيئة للحصار، فلكل طرف حجة التمسك باخلاقية مقولة مكيافيلي «الغاية تبرر الوسيلة» فلا ضير لبلدان حتى الاتجار بالمخدرات فقد بات مسموحاً! وبدلاً من عزل الشعب عن النظام ساهم الحصار بالالتفاف الشعبي حوله، دون أن ينسى رفع شعاراته الحماسية ودغدغة الشعب بجزء من ثروة نفطية سائبة في دهاليز النظام الشمولي. 

وإذا ما كان النظام الليبي فقيرًا وبائسًا من حيث قدراته الإنتاجية في الزراعة والتجارة والصناعات الخفيفة، فإن نظام الجمهورية الاسلامية في ايران تكيف في كسر حلقة الحصار الحاد، فالحدود الشاسعة لايران ساعدته على التجارة السوداء والشرعية مع دول مجاورة كافغانستان وتركيا وباكستان ودول الخليج، حيث رئة النظام ظلت قادرة على التنفس في ظل ذلك الحصار الشديد على نمط من السلع فيما تركت بعضها لرحمة الإنتاج الداخلي الرديء، وقدرها الإيجابي كدولة ونظام دخلها من غزارة تدفق النفط والغاز في ظل ارتفاع أسعاره، كل ذلك ساهم في ديمومة مقاومته للحصار، وقدرة النظام للانفاق على مؤسساته العسكرية والأمنية وميليشياته الكبيرة وتحولت كوريا الشمالية مثالاً يحتذى. 

وساهمت الطبقة الوسطى التجارية في بازار طهران على مد السوق الداخلي والخارجي بسلع وبضائع ساعدت في جوانب معينة من «الاعتماد أو الاكتفاء الذاتي» كما حققت مداخيل النفط بالعملة الصعبة بعد التدهور المستمر لعملتها المحلية، على تغطية بعض حاجاتها من سلع معيشية ضرورية. كما ساهمت البنية التحتية الصناعية التي تركها نظام الشاه على استكمالها والمواصلة بها، غير أن الهم السياسي لبقاء سطوة النظام تمركز في الإنتاج العسكري وليس المدني. لكننا لا يمكن تجاهل أن النظام استطاع إنتاج سلعه من البتروكيمياويات والأدوية، وأعاد تنظيم مؤسساته الاقتصادية التي تمركزت جلها في العقود الأربعة تحت إدارة الحرس الثوري، والذي بات عدد موظفيه جيشاً مهنياً يتجاوز مئات الآلاف وارتبطت مصالحهم بتلك الوظائف والمؤسسات.

تحولت سلطة الحرس الثوري وهيمنته على أهم المؤسسات النفطية والعسكرية في النظام الى قوة تقود الشارع السياسي وتحرضه وتعبئه على مقاومة قوى «الاستكبار العالمي» الذي يحاول تركيع الثورة وهزيمتها، وأن الحصار لن يكون لإيران إلا قوة دفع داخلية وشعبية ووطنية لمساندة نظام الملالي. 

نحن أمام نظام ايديولوجي ثيوقراطي قائم على حالة الاستنفار الثوري، بايديولوجية عقائدية تتخطى حدودها، تمتلك مخزون اقتصادي وبشري لمواجهة الحصار. 

هذا الوهم الكاذب في النظام الذي ينخره العبء الاقتصادي لترسانة عسكرية وامنية تخطت ميزانيتها، وكان عليها إلقاء اللوم والتبرير عن كل ممارساتها وفسادها على شماعة الحصار الخارجي. 

وإذا ما كانت الملامح الايديولوجية لثلاثة انظمة متباينة، الكوبي والكوري والايراني، فإن ميزة الأخير هو كونه مجتمع مصادر بنيته الاقتصادية متعددة، يشكل الغاز والنفط عصب النظام والمجتمع. ولا نرى اننا بحاجة للتوقف عند النموذج الفنزويللي الذي يعاني نمط أقل حصاراً وتضييقاً، بدت نتائج غياب السلع من الرفوف تشكل عنصر ضغط على النظام، الى جانب طبيعة الحزب الحاكم ونظامه السياسي، الذي تشكل تجربته الديمقراطية الانتخابية موضوع شك من حيث النزاهة والشفافية. 

لذا سنجد قدر ومحنة تلك الأنظمة التي مورس عليها الحصارات، تلتقي في المشتركات السياسية والبراغماتية، بين ايران وكوبا وفنزويلا وليبيا وسوريا وكوريا الشمالية. كل هؤلاء كانوا ولا زال بعضهم «بيض في سلة واحدة» جمعتها القوى الامبريالية في حلقة الحصار والصراع لعلهم يتنفسون من رئة بعضهم البعض ويخرجون من نفق الأعباء المعيشية المتزايدة سوءًا يومًا بعد يوم.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها