النسخة الورقية
العدد 11146 الثلاثاء 15 أكتوبر 2019 الموافق 16 صفر 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    4:17AM
  • الظهر
    11:24AM
  • العصر
    2:42PM
  • المغرب
    5:10PM
  • العشاء
    6:40PM

كتاب الايام

مطارحات

الديمقراطية المستحيلة.. أي حرية مع التبعية، وأي حرية مع الإذعان؟!!

رابط مختصر
العدد 10557 الإثنين 5 مارس 2018 الموافق 17 جمادى الآخرة 1439

الجماعات الأيديولوجية المغلقة باتت تؤثر بشكل كاسح على الأجيال الجديدة، وبالتالي في واقع ومستقبل الحياة الاجتماعية والسياسية عندنا. وتعمل حثيثاً وبعمق مخيف على قولبة هذه الأجيال بشكل مؤذ وحتى مدمر. بما يمنعها من امتلاك أي أفق للنظر خارج تلك القولبة التي تتضمن حزمة من الأفكار والرؤى السطحية «النهائية»، حول الحياة والموت والمجتمع والإنسان. بما يؤدي إلى بناء جدار إسمنتي في أذهان الشباب، فيتم الزج بهم في أفق أصولي دوغمائي مطلق، يقود إلى إلغاء العقل، وتدمير الفردية والاستقلالية الفكرية، في مواجهة الرؤى ذات التأثير، والتي لا ترى للفرد استقلالية خاصة، فكراً وممارسة. فالفلسفة حرام والفنون رجس من عمل الشيطان، والشك ضعف إيمان وطرح الأسئلة ممنوع، فالمطلوب فقط هو الأجوبة النهائية الجاهزة.

إن الفرد في هذا السياق يفقد أي قيمة خارج إطار الجماعة الأيديولوجية، وخصوصاً الجماعة الدينية الطائفية. لأنها لا تطيق الفردية، ولا تحتمل مقتضيات الحرية. ولا حق للفرد في أن يكون له وجوده الخاص، ورؤيته الخاصة للعالم وللأشياء، بعيداً عن القوالب الجاهزة التي تضع البداية والنهاية والممكن وغير الممكن.

فلا عجب ان تفشل الديمقراطية عندنا، لأنها تحتاج إلى الحرية والخيار الحر، ولا غرابة ان تتحول إلى شكل من أشكال السيطرة الطائفية المغلقة، يفقد معها الفرد أي قدرة على ممارسة خياراته وقناعاته لأنها غير موجودة أصلا. ومن مظاهر ذلك أن الانتماء إلى بعض الأحزاب يبدأ بنوع من «القسم» الذي يتحول بعده الفرد إلى مجرد دمية تحركه الإرادة الطائفية من دون أي قدرة على تبين الصالح من الطالح.

الأمر مختلف في البلدان الديمقراطية، حيث تكون القوانين الفاعلة في المؤسسات كافة مبنية صراحة أو ضمناً، على حقوق تكفل لكل فرد. ولكل فئة اجتماعية حرية التفكير والتعبير والتنظيم والعمل في إطار ديمقراطي سلمي. بل إن المجتمعات الحديثة تشجع على الفكر والإبداع، حتى كأن الدولة والمجتمع تطالب بالمزيد من الإنتاج الخلاّق في المجالات الثقافية والفكرية، في العلم والفكر والفن. ففكر الاختلاف والتنوع هو الذي يقود الثقافة، ويدفع بالحياة الاجتماعية كلها إلى المزيد من الإنجازات باستمرار، هذا بعكس الخطاب الأيديولوجي الذي ينزع إلى الجمود والتشبث بمصالح فئوية ضيقة. ويسعى إلى استمراريته دون تغيير أو تطوير ليكون مقدساً وثابتاً لفترات طويلة في المجتمع، بما يؤدي إلى الفساد المولد لمختلف أشكال الاحتقان التي ما إن تنفجر حتى تتحول إلى طوفان هائج، يدمر كل شيء في طريقه.

ولذلك فإننا نعتقد أن كل مجتمع لا يختلف فيه الناس في الرأي، هو مجتمع غير طبيعي. لأن النمطية الموحدة في الفكر والموقف مرادفة للدكتاتورية والتسلط. ولأن الحق في الاختلاف يثري كل يوم حياة الدول المتقدمة والديمقراطية بألف طريقة وطريقة. ولأن هذا الحق مصدر مهم في مجال هوية الإنسان وحقوقه الأساسية.

المشكلة عندنا تكمن في هذا التغول الإيديولوجي الذي يتبدى حتى في الإنتاج الثقافي نفسه، حتى في الحقل المعرفي عند مسلماته الخاصة التي لا تقبل التغيير أو التبديل. ولذلك تجد هذه الدكتاتورية والاقصائية حتى بين الذين ينتمون إلى المجال الثقافي والفكري والفني، بحيث يصبح الأيديولوجي هو الذي يحدد مسار المعرفي. فالتبعية للانتماء السياسي الإيديولوجي صارت هي الحاضر الأهم في عموم التفاعلات. ولذلك أصبح السجال يتقدم على حساب الحوار، والانغلاق على الانفتاح.

إنها هذه المقدسات الجديدة عندهم، لا يمكن المساس بها، لأنها تؤدي إلى جرح مشاعر الإيديولوجيين المقدسين وثقافتهم المقدسة وأفكارهم المقدسة ووثائقهم المقدسة ورموزهم المقدسين، هي العلة بنت العلة. فالواقع عندنا يتم تصنيعه في معمل الأيديولوجيا الذي يتوقف التصميم المعرفي فيهعند شعارات تفرض عليه قيم التبعية والإذعان.. فأي حرية مع التبعية، وأي حرية مع الإذعان؟!!

 المسافة بين الطبيعة والثقافة

قالت: هل تذكر حديثنا عن عالم المثل ضمن المثاليات التي ترجع المشاعر الإنسانية إلى ما يشبه الصدفة الماورائية، أو حادث المرور عاطفي؟ فوفقاً لهذه النظرية فإن بين عالم المادة وعالم المثل صراع أبدي لا يهدأ ولا يفتر، وهذا الطرح الافلاطوني الذي يعتبره البعض مثالياً سطحياً، أجده مقنعاً، إذ يوجد عند كل إنسان أنا أعلى وأنا دنيا، وهما متقابلان بالضرورة في نوع من الثنائية الحتمية. وتاريخ الإنسان صراع بين قطبي رحى هذه الثنائية عبر نزوع دائب نحو المثل، أي نحو العنصر النوراني في تكويننا الإنساني. فمن هذا المنطلق يوجد لدى الإنسان: ذات ومعرفة ترتبطان بالروح، وذات ومعرفة ترتبطان بالجسد. فالإنسان ينتهي بفناء جسده إلى الاضمحلال والموت، ولكن الروح ابدية الحياة والوجود. 

قلت: بعيداً عن هذه الصياغة الفلسفية اعتقد، ومن واقع الثقافة والتاريخ والمعاينة للتجربة وتفحص تاريخ الإنسان عبر القرون، فإن تاريخ الإنسان هو بالدرجة الأولى تاريخ الغرائز والرغبات (بما في ذلك التاريخ السياسي). ولعلنا في هذا نقارن بالحيوانات، ولكن الحيوانات كائنات غريزية خالصة. ولذلك فهي أكثر مباشرة وصدقاً، في حين يمتلك الإنسان القدرة على التصعيد والتمويه بحكم امتلاكه لملكات العقل، وبحكم انه جعل من الثقافة والتقاليد قيداً يحكم سلوكه الظاهر. ولذلك ما زلت أؤمن بأن الصراع الحقيقي في الإنسان هو بين الطبيعة والثقافة، وأن الشعوب المتقدمة تمتاز علينا بالقدرة على تقليص المسافة بين الطبيعة والثقافة. وهي لذلك أكثر صدقاً ومباشرة ووضوحاً في التعبير عن رغباتها وعن أفكارها ومشاعرها، في حين مازلنا نعبر عن كل شيء يخص جسدنا او رغباتنا ومشاعرنا وحتى بعض افكارنا، بواسطة التمويه والتورية والمجاز اللغوي، لأننا نعيش بين دائرتي الخوف والالتباس والتردد وقلة الحسم، خوفا من قوة الضغط الاجتماعي-الثقافي.

 

همس

في رحلة البحر المهاجر،

هذا الزورق يجلس على صدري.

لروح الصارخة في وجه الاحتمالات

تستوطن جزيرة الدفء.

وللريح صوت الصدى والرماد.

أصرخ في الليل:

أيتها الروح لا تأفلي

مع الفجر الجديد تولد الحياة.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها