النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 11525 الثلاثاء 27 أكتوبر 2020 الموافق 10 ربيع الأول 1442
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%
  • الفجر
    4:23AM
  • الظهر
    11:22AM
  • العصر
    2:35PM
  • المغرب
    5:00PM
  • العشاء
    6:30PM

كتاب الايام

موت لغة المزايدة الخشبية

الحفر في مجرى ربيع الثقافة

رابط مختصر
العدد 10552 الأربعاء 28 فبراير 2018 الموافق 12 جمادى الآخرة 1439

للعام الثالث عشر على التوالي تعلن هيئة البحرين للثقافة والآثار، مع عدد من الشركاء – وفي مقدمتهم مجلس التنمية الاقتصادية – عن فاعليات وبرامج مهرجان ربيع الثقافة، الذي تحول مع السنين إلى ملمح رئيسي في المشهد الثقافي البحريني. بما يعكس نجاح هذه التجربة ورسوخها، ليس فقط من حيث نجاحها في العودة سنوياً إلى الواجهة الثقافية ببرنامج حافل متجدد، (رغم شح الموارد وصعوبة الأوضاع المالية)، وإنما أيضا من حيث تكريسها لتوجهات الفرح والتنوير والانفتاح، حفرا في مجرى تأصيل الثقافة. 

الأمر اللافت، ليس هذه السنة فقط، وإنما خلال السنوات القليلة الماضية أيضا، هو خفوت تلك الأصوات القادمة من غياهب الرجعية، والمتمترسة في موقع معاد للثقافة عامة، وللتنوير تحديدا. حيث كانت تلك الأصوات – وبعضها محسوب على الثقافة للأسف  – تشكك – ولأسباب مختلفة – في جدوى «الربيع» وفي مدى أهمية العديد من فعالياته. حتى أن بعضهم أعلن في يوم من الأيام – عبر لغة المزايدة الخشبية – بأنه «كان من الأجدى لو تم صرف هذه المبالغ المخصصة لربيع الثقافة لإنشاء المزيد من المساكن للمواطنين»!! (هكذا). أما سائر الخطابات الأخرى المعدة خصيصًا للتسويق المجاني، فهي تدور حول ذات القاموس المحافظ جداً، والذي يرى في الفنون كافة، وعلى رأسها الموسيقى والغناء والرقص والتشكيل من المحرمات التي لا يجب ان «نهدر» فيها موارد مالية أو ننفق فيها جهداً او وقتاً. 

 إن إدراك ما للثقافة من وظائف وأدوار تنموية وتنويرية، باعتبارها صمام الأمان ضد تأثيرات الأمراض الوافدة التي صنعتها السياسة والإرهاب والكراهية، وهي بهذا المعنى آخر جدار يمكن الاتكاء عليه... مما يجعل الاستثمار في الثقافة – هدف كل الدول التي تحترم شعوبها، وتسعى الى الارتقاء بذوقها وفكرها، حيث استثمرت الصين على سبيل، وخلال العام الماضي فقط 630 مليون دولار امريكي في النهوض بالثقافة القومية التقليدية فقط، فما بالك ببقية أبواب الثقافة. كما يزيد دخل المملكة المتحدة من المنتجات الثقافية عن دخلها من صناعة السيارات، وحجم ما تنفقه فرنسا على الثقافة بمختلف فنونها يقارب 7% من ميزانية الدولة.

وباختصار، فإن الدول التي استثمرت في الثقافة والعلوم هي الدول التي استطاعت ان تنتقل الى مجتمع المعرفة واقتصاد المعرفة بالفعل وليس بالشعارات، ويكفي هنا الإشارة الى أن شركة واحدة من شركات انتاج المعرفة والتقنية الحديثة في الولايات المتحدة الامريكية، تبلغ ميزانيتها 900 مليار دولار.

إن الاستثمار في الثقافة يجعلها جماهيرية، ويصبح الفكر جماهيرياً والمعرفة ملكًا للجميع، والفن يسكن في خيال وضمير كل إنسان، ويصل كل بيت. ولذلك فإن الذين يحاربون حضور الثقافة، فإنهم في الغالب يعملون على تنميط المجتمع وقولبته ومنعه من التطور وغلقه عن العالم. ومثلكما يكون الثقافة سنداً للتمية ومعززة للاستثمار ومنتجة للثروة ومعظمة للدخل الوطني، فإنها أيضا سند للسياسة، بأبعادها الأكثر عمقاً وتأثيراً.

وإذا ما اعتبرنا الثقافة سنداً للمشروع السياسي، وأداة حاسمة لدفع التنمية وتعزيز تماسك الشخصية الوطنية، فلابد من تعهدها بمزيد من التطوير والاصلاح، والدعم من خلال إنشاء المزيد من المؤسسات التي تعنى بالشأن الثقافي، والمزيد من والفضاءات الثقافية التي تعني بالإبداع ورعايته، وتوفير المزيد من الآليات والانشطة التي تسهل إدراج الثقافة في المنظومة التنموية –  ومنها الجهد الذي يبذله القائمون على مهرجان ربيع الثقافة والذي يمكن تطويره ودعمه من خلال صيغة يشارك فيها أكبر عدد ممكن من المبدعين المحليين – بالإضافة الى دعم اللامركزية في هذا القطاع من خلال إنشاء مركز ثقافي في كل محافظة، وإعادة هيكلة الإنتاج والاستثمار، وتطوير التشريعات الثقافية، وإحاطة المبدعين بالمزيد من التشجيع، ورفع الميزانية المخصصة للثقافة، وذلك لأن بحرين الغد تحتاج الى المزيد من القرارات والاجراءات التي ترتقي بالثقافة الوطنية إلى المستوى المنشود، تعزيزًا لمجتمع المعرفة، وحفزًا على الانخراط في الأشكال الجديدة للإنتاج الثقافي. 

في البحرين فإن الثقافة سوف تظل سنداً ضرورياً للتنمية وللمشروع الإصلاحي في ذات الوقت، إذ لا يخفى أن أي مشروع سياسي لا بدّ له من مشروع ثقافي يسنده، وإلا بقي عمقه محدود التأثير في العقول وفي النفوس. كما أن الثقافة-فضلا عن كونها تلعب دورًا كبيرًا في حياة أي مجتمع يروم الإنتاج والتعبئة من أجل بناء الانسان فإن لها دورًا حاسمًا في صياغة المستقبل والتأثير فيه. فالتحوّلات العميقة التي يشهدها العالم تؤكد أنه لا بديل معها عن التميّز الثقافي لدخول ساحة المنافسة العالمية، مما يستدعي صياغة سياسة ثقافية تهدف إلى إبراز الطاقات الإبداعية وتنويع حقول وفضاءات العمل الثقافي والاستفادة من كافة المثقفين والمبدعين بمختلف اتجاهاتهم وتوجهاتهم. 

وإذا ما أريد للثقافة أن تكون مشروعاً وطنياً يرتبط بالهوية الوطنية والقومية وبالأفق الإنساني، فإنها يجب أن تكون جزءاً من مشروع ثقافي متكامل، خصوصاً في ظل غياب شبه كامل للمثقفين وابتعادهم عن مركز القرار الثقافي. كما سوف يبقى الإشكال قائماً في غياب رأس المال الذي يغدق على الثقافة إيماناً بدورها في بناء الهوية وفي صهر مكونات المجتمع والتطلع الحي إلى بناء الوطن وتنميته. 

وأكاد أجزم ان العديد من كوارثنا-بما فيها انتشار الإرهاب والتطرف والاصولية المتوحشة – ناجمة عن ضعف الاستثمار في الثقافة، والتي تعتبر صمام الأمان الفكري والروحي ضد التطرف والتعصب والتوحش. كما تعتبر أساسًا للمساهمة في نشر وتعزيز ثقافة التسامح والعيش المشترك. تلك مهمة الثقافة بمعناها الواسع الذي يشمل الاعتزاز بتاريخ الوطن وهويته، والوفاء لقيمه الاجتماعية والروحية والأخلاقية، والانفتاح على العالم والدفع بالعقل نحو الاستنارة، العقل الذي يقود الإنسان في مغامرة المعرفة والوجود ونحو اكتشاف العالم من حوله والتأثير عليه والحد من مخاطره والاستفادة من إمكانياته الضخمة.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها