النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 11205 الجمعة 13 ديسمبر 2019 الموافق 14 ربيع الثاني 1441
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    4:51AM
  • الظهر
    6:16AM
  • العصر
    11:32PM
  • المغرب
    2:28PM
  • العشاء
    6:17PM

كتاب الايام

عيـــــد الحـــــــب!!

رابط مختصر
العدد 10547 الجمعة 23 فبراير 2018 الموافق 7 جمادى الآخرة 1439

 من خلال مقال اليوم سوف أخرس أي صوت بداخلي لدى للحديث حول السياسة وعنها وفيها، ولسوف أنأى بنفسي ما استطعت إلى ذلك سبيلا؛ لأنني في الحقيقة أشعر بحاجة لكي أتحدث عما يمكن أن تكون له إضافة إلى أيام الفرح في الأجندة الاجتماعية البحرينية، تلك الأجندة التي يحتفل بها الإنسان في العالم المتحضر دونما منغصات، سوف أتحدث لكم عن عيد الحب، «الفالنتاين»، وهو العيد الذي من المصادفات أن يأتي كل عام متزامناً مع احتفالاتنا في الرابع عشر من فبراير من كل عام بذكرى الميثاق الوطني، ذكرى التصويت على حب الإنسان البحريني لوطنه ولشرعية الحكم في هذا الوطن، آملًا أن يكون حديثي سهلًا وخفيفًا على من لا يوافقني الرأي. واضعًا نصب عيني أن الاختلاف في الرأي لا يفسد للود قضية.

 لكن لابد لي هنا من الإشارة إلى أنني من ضمن أفراد في هذا المجتمع الجميل بتعدد مكوناته وتناغمها في نسيج واحد أشعر بأن مجتمعنا قد هجر الفرح قسرًا لمدة زادت على الثلاث سنوات منذ 2011 حتى بدأت غيوم الكآبة والحزن تتفكك تدريجيًا وصولًا إلى هذا العام 2018، وهو العام الذي يمكننا أن نرى فيه كيف أن هذا المجتمع العزيز وبفضل رجال الجيش وقوى الأمن المختلفة من كل المستويات قد انتقل من حال إلى حال. من حال التبرم والشعور بالوحشة والخوف إلى حالٍ من الاستبشار بالمستقبل والتطلع إلى حياة أكثر أمنًا وسلامًا وفرحًا.

 الذي لا نعرفه حقًا، ولم يقنعنا به أحد بعد، هو لِمَ هذه الحرب الشعواء التي تشن ضد الذين يحتفلون بعيد الحب، يحتفلون به من دون اكتراث إلى الخلفية الدينية لهذا العيد، فإذا كان هناك من عيب في هذه الثقافة، كما يزعمون، فقد أخذ الناس أجمل ما في هذه الثقافة وهي الاحتفال بالعيد. فعيد الحب شاع ضمن قيم وسلوكيات كثيرة شاعت بواسطة الاقتصاد والإعلام المعولمين، قيم وسلوكيات تقصدها بعض منا بالتحريم أحيانًا والنهي عنها أحيانًا أخرى من دون الوقوف على ما فيها من جمال. فلِمَ عندما يأتي الحديث عن الحب نستنفر كامل طاقتنا المعارضة له، موظفين في ذلك كل ما لدينا من أسلحة القمع والنهر لمحاربته؟! ألا تحفل ثقافتنا العربية الإسلامية بقصص حب خالدة كثيرة؟! ألم تحفل قصائدنا منذ الجاهلية وبعدها بكل ما يمجد هذه العاطفة الإنسانية السليمة؟ كل هذه الأسئلة تكاد تسلمني شخصيًا إلى تساؤل حائر مفاده: هل أن لنا تاريخين واحدًا نعرفه نحن ونستمتع بما حفل به من آيات حب الحياة والناس، وآخر لا نعرفه نحن ولا صلة لنا به لأنه ببساطة ينكر علينا أن نكون بشرًا أسوياء يحبون ويحتفون بالجمال والحياة؟ نحن في البحرين مجتمع تعددي زاخر بألوانه الجميلة التي تضفي على شكل المجتمع مزيدًا من البهجة. وبخلاف أن من المواطنين من هم من المسيحيين، فإن نسبة كبيرة من العاملين والمقيمين هم من المسيحيين ومن ديانات وثقافات أخرى أيضًا. وهذا لا يمنح المجتمع البحريني إلا مزيدًا من الثراء الثقافي، ويسهم في تعميق قيمة التسامح لديه، وهي عوامل قوة وجمال وبهاء لمجتمعنا البحريني الجميل المحب. 

 حديثي هذا ما كان ليكون لولا أني استمعت في إحدى صباحات البحرين الجميلة من خلال برنامج «صباحك رايق» في إذاعة البحرين، وهو من البرامج الخفيفة التي تفتح «المود» لمباشرة العمل بمزاج «رايق»، إلى إحدى المستمعات وهي تتداخل مندفعة بحب وفرح مخاطبة المذيع بالقول إنها اليوم فرحة بمناسبة عيد الميثاق، الذي يصادف في ذات الوقت عيد الحب، فنطقت بقولها هذا بلساني وبلسان عدد كبير من أهل البحرين ومحبيها. غير أن المذيع في البرنامج استوقفها بالقول: «أوافقك فيما يتعلق بعيد الميثاق، ولكن بالنسبة إلى عيد الحب، فإنني، والكلام للمذيع، لا أعترف إلا بعيدين فقط. بطبيعة الحال، لن أكون كالمذيع مفتشًا في نوايا الناس وضمائرهم لأني أؤمن بحرية الضمير التي نص عليها ميثاقنا فأقول إن المذيع قد ناقض نفسه في لمح البصر إذ كيف له أن يؤمن بعيدين فقط والحال أنه وافق المستمعة في احتفائها بعيد الميثاق الوطني؟

 لن أكون مثل المذيع، فمن حقه أن يؤمن بما يشاء أن يؤمن به، ولكن ليس من حقه في دولة تعددية أن يذيع ذلك، خاصة في وسيلة إعلام عامة هي صوت الجميع وصوت مملكة البحرين المتعددة المتنوعة المتسامحة الأصيلة والمنفتحة على قيم الحداثة والعقلانية وعلى القيم الإنسانية الخالدة. أليس ذلك هو المنطق، عندما يتعلق الأمر بشيء اجتماعي، بشيء يخص المجتمع؟

 عيد الحب أو الفالنتاين في أبسط تعبير له هو سانحة زمنية ينبغي استثمارها لزيادة جرعة الحب بيننا، فماذا عسى أن يحدث لو أننا تجاهلنا الخلفيات الدينية لهذه المناسبة وجعلناها فرصة لإشاعة المحبة من خلال الاحتفاء بها، وجعلها إحدى السلوكيات الاجتماعية المحببة مثل أعياد ميلاد الأشخاص علماً بأن الاحتفالات بهذه المناسبة كانت يومًا ما من المحرمات، ولكن بمنطق العادة الاجتماعية والأعراف الاجتماعية المنزوع منها سيئ النوايا أصبح هذا الاحتفال تقليدًا متبعًا عند كثير من الناس، ولا ضرر فيه ولا بأس. أيام كثيرة ليست تندرج تحت مسمى أعياد يحتفل فيها المسلمون مثل عيد الأسرة، عيد المرأة، عيدا رأس السنة، الميلادية والهجرية... وغيرها كثير، فلماذا نصر على خلق العداوات الوهمية في الوقت الذي يدعونا فيه الناس إلى تعزيز الحب بين بني البشر؟ ولماذا يصر بعضنا على أن يصوروا مجتمعاتنا منغلقة متشددة ومتطرفة بإنكارهم أسمى العواطف وأرقى المشاعر؟.

 الأخذ من ثقافة المجتمعات المغايرة لا يعني التفريط في القيم والمبادئ. ففي ذلك انفتاح يضفي على سلوكيات أفراد المجتمع مزيدًا من التسامح، وامتداداً لحس انساني سليم لا أظنه إلا عامل قوة لمجتمعنا البحريني الذي عُرف منذ أقدم العصور بأنه مجتمع الحب والسلام والتسامح بامتياز، فكل عام ونحن محبون ولو كره أعداء الحياة منا ذلك.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها

رأيك يهمنا