النسخة الورقية
العدد 11145 الإثنين 14 أكتوبر 2019 الموافق 15 صفر 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    4:17AM
  • الظهر
    11:24AM
  • العصر
    3:43PM
  • المغرب
    5:11PM
  • العشاء
    6:41PM

كتاب الايام

مطارحات

ديناصور يحاضر في الثقافة الأشياء التي تأتي وتذهب سدى!!

رابط مختصر
العدد 10543 الإثنين 19 فبراير 2018 الموافق 3 جمادى الآخرة 1439

وسط قاعة معدة سلفاً للتصفيق، تزينها قائمة الشعارات الفذة التي تم إبداعها خصيصاً لمثل هذه المناسبات، جلس رجل مهيب، لا يأتيه الابتسام من خلفه ولا من بين يديه، كأنه قاضي البصرة في كتاب البخلاء. لخص المحاضر نظريته في الثقافة والأدب بسخرية: (التقدم رهن التكنولوجيا لوحدها، وليس رهن القصة والأقصوصة وشعر النثر وأدب الطفل وشخبطات التشكيل. (هكذا!!!). مع أن الديناصور يحفظ عن ظهر قلب داليّة المتنبي في هجاء كافور وقصيدة (موت الذئب) لألفريد دي فيني، كما انه مولع بحماسة أبي تمام، ويقتني لتزيين صالون بيته لوحات لفنانين كبار وصغار.

وإذا كان ممكنا تبرير إعجابه بالميتة الملحمية لذئب (ألفريد دي فيني)، الذي لفظ أنفاسه وهو يلعق دماءه الشخصية في عزلة تامة، فإنه سيكون من الصعوبة بمكان ترجمة مثل هذه النظرية المستخفة بالثقافة والأدب إلى اللغة الانجليزية فضلاً عن اللغة الفرنسية، وكافة اللغات الحيّة الأخرى وحتى الميتة منها.

لقد أوغل (المحاضر الفذّ) في محاضرته المضحكة الموغلة في الجهالة التي لا ترى الثقافة خارج حلقات المدح بطرق ملتوية تثير الشفقة، فأوضح ان «القصة والأقصوصة وشعر النثر حكاية فارغة، والمدارس الحديثة في التشكيل سخف وشخبطات من دون معنى، وأدب شباب اليوم سطحية لا معنى لها وغير جديرة بالالتفات إليها أو إضاعة الوقت في مطالعتها. فالعصر عند (الديناصور) عصر علم وتكنولوجيا، ولا مكان فيه (للكلام الفاضي)، ولا مكان فيه للمشاعر والعواطف وشعر الحب والبكائيات، وأن علينا أن نحث الشباب على التزود بالعلوم وعدم تضييع أوقاتهم وأعمارهم في الأدب الفارغ والتشكيل المشخبط (هكذا !!)»..

إن هذه النظرية الفلكلورية للثقافة أفضل منها رطل من الفحم، لأنها تصيب بالاختناق وتعلق على جدار الضحالة الممتدة من الصحراء إلى البحر ومن الريف إلى ما يسمى تجاوزا بالمدينة العربية. لإن الفعل الثقافي لا يمكن أن تكون له فاعلية خارج ما يؤسسه بحرية تحدياً للممنوع قليلاً وللمكبوت أحياناً، وللأصنام كثيراً، وللجدران إطلاقا. والحقيقة أن العيب ليس في (الديناصور) الموغل في الجهالة، وإنما فيمن دعاه ليلقي علينا محاضرة في السخف في الفضاء العام! ولله في خلقه شؤون.

 

الأشياء التي تأتي وتذهب سدى!!

هذا الصوت يناديني، يصرخ، يسرقني من نفسي، يعلن أن تعال قبل فوات الأوان، وما من أحد يستطيع أن يناديني مثله، أن أعلن عن مأساة اللحظة المعلنة: كن صموتاً، واحجب نفسك، دع أحلامك وأشواقك تشرق وتغرب في حنايا قلبك، اطرح كنوزك جانباً، حتى تتمكن نجوم الليل العميق من النفاذ في بهجة إلى روحك ! كيف يستطيع الفؤاد أن يجد الكلمات الصامتة في لحظة الغياب ؟! كيف نكون مجدوبين مأخوذين بتلك الصورة العالقة المعلقة الهاربة، وبذلك الصوت المهرب في ثنايا الأثير حتى كأننا خارج نطاق المكان والزمان!؟ 

كيف يستطيع إنسان أن يقرأ ما يجول بعقل غيره من دون قراءة وأن يعرف ما به تعيش وما به تحيا وتموت مثل تلك اللحظة الهاربة من بين يديك، كأنه الرمل ينساب بين الأصابع؟ 

تلك اللحظة ليسَت غير أكذوبة، وإذا تحركت، عكَّرَت ماء الجدول الصافي المنساب في صمت تحت أشعة بنفسجية، فاغتد على أحلامِك، ولا تحرك ساكنًا، عش داخلك، فهناك عالم بأكمله من الوجود يموج داخل الروح الراسخة كعالم من الفكر، والأفكار المسحورة، غير أن الضوضاء التي تنبعث من الخارج تصيبها بالصمم. ووهج النهار يصيبها بالعمى، فتنقطع، أغانيها.

 

أواه. يا صديقي اصمت قليلاً حتى أراك!

إنك تعيش خارج الزمان والمكان، تعبث بالكلمات هرباً من مواجهة الأرض التي تدور، فتنقلنا من الليل إلى النهار، ومع دورانها تدور الدوائر علينا، فانتبه أيها الغافل في ظلال الوهم! ها أنك تمشي على السحاب وحيداً، مع الغيوم الراحلات، تمزق ستائر اللحظة، ضوء الشمس لا يكفي، لا شيء يحدث على الأرض غير صدى في القلب، حين تزهر البراعم، وحين الحياة تنطفئ ويبقى الصدى في الذاكرة بحجم الجليد والأحراش، تسبح فيه الفصول. تسكنه بيوت اليتامى، حين تنتظر ساعات الشوق، وحين يغني العشاق في العالم غبطتهم المهاجرة وأنت الجالس وحيدا على الضفة الأخرى.

الأشياء تأتي وتذهب-يا صديقي-سدى، تصل وترحل، حينها تبحث في الليلِ الغريب الطويل، مثل طائر حزين، يغفو قرب وجوه لا تعرفُ سوى عبادة الساعات! تمضي مثل غيمةٍ فوق الجبال، وكانت الجبال القلب والمنتهى! 

أقرأ في وجهك الصخب المتشرع، وهذا البحر داخل الفم ملحا، هذا الفم داخل الوجه رسما كالمحنة السرمدية، وهذا الصوت الضعيف يشبه الهواء يجري، فلا أراه.

 إنك المجنون يهذي أو عاشق فاته قطار منتصف الليل، فماذا يفصلك عن الجنون أو الهذيان إلا ذلك الخيط، خيط اللغة؟ 

 

أواه أيها الصديق القديم أواه...

يفصلني عنك سرب من طيور الصباح. عيون ترحل في ساحة البوح كل مساء بلا شرفات. يفصلني نجم يخيط رتوق الظلام بلا أجنحة. مطر أجَل انعكاس السماء لحظة البوح. غيوم حفرت طرقاً للكلمات. سرب من سنين، يحجب صوت الماء عن الماء. ذاك الشتاء الطويل يحوك أسماله حول القلوب. سجاد حزني وماء يرتق فواصل الروح بيننا. غياب الاشتهاء وطول انتظار. 

أواه يا صديقي...الأشياء الجميلة تأتي وتذهب سدى، وفي السديم تروح فلا تعود.

 

 

 همس

.الروح تصرخ في وجه الذهاب

بعيدًا عن ذاكرة الأشياء القديمة.

لا تغيب رغم الغياب،

ففي الحقل تنتهي الأشياء وتحيا 

وللأصوات البعيدة صدى لا يموت.

وللحمامة طريقٌ منه تعود.

والصوت الآتي مع المطر

يمزق الحزن الغريب.

 

وحده الصمت كبير،

وكلّ ما عاداه هون على هون! 

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها