النسخة الورقية
العدد 11148 الخميس 17 أكتوبر 2019 الموافق 17 صفر 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    4:18AM
  • الظهر
    11:23AM
  • العصر
    2:41PM
  • المغرب
    5:08PM
  • العشاء
    6:38PM

كتاب الايام

مطارحات

الرقص على سلم الأيديولوجيا البائدة.. «هذا زمانك يا مهازل فامرحي!»

رابط مختصر
العدد 10536 الإثنين 12 فبراير 2018 الموافق 26 جمادى الاول 1439

تعقيبًا على المقالة المنشورة قبل أسبوعين في هذه المساحة حول المسألة السورية، وكيف أصبح العرب فيها خارج مسار التاريخ، ضحايا بأيديهم، مفعولاً بهم، يكتفون بالفرجة، فيما الدول الأخرى تحدد مصير القطر السوري وشعبه ودستوره ونظام حكمه، جاءتني تعقيبان من صديقين أراهما يكملان ذات الصورة التي رسمها المقال، فيما يلي ملخصهما:

سوريا المحنة والغياب 

لقد كان يلفتني تفاديكم - والعديد من الأقلام الأخرى - لمقاربة المحنة السورية، كما كان يلفتني هذا التورط العربي في مبتدأ الأزمة والغياب، انتهاء، عن رسم مآلاتها. والحق إن سوريا الدولة قد ظلمت كثيرًا كثيرًا (كما العراق الشقيق من قبلها).

والمشكلة في تقديري تكمن في التبني العالمي (تآمرًا) وحتى العربي (تبعية) لتشخيص الوضع على أنه صراع ثنائي داخلي (شعب - ونظام) على الديموقراطية (وهو ما قد يكون حضر فعلاً وحقًا في أذهان بعض الشباب اليافع خلال الأيام الأولى للاحتجاجات)، لكن المسألة كما يعرف الجميع (من العرب وغير العرب، ومن الشرفاء وغير الشرفاء) أن توجيه الأحداث قد جير لضرب مقدرات الأمة وتخريب بنيتها العقائدية والاجتماعية لحساب الرابحين إقليميًا ودوليًا. وعليه فإن الإصداع بالحق اليوم، سيما وقد وقف أغلب العرب على خطأ تقديراتهم (بما في ذلك تقديرهم لحجمها ولتأثيرها)، قد يجدون فرصتهم المتأخرة ولكن المؤاتية لإعلان كوننا جارينا (وتورطنا في) تمزيق شرايين أمننا القومي واحدًا تلو الآخر، بدءًا بالعراق ومرورًا بليبيا، ووصولاً إلى سوريا... والحصيلة المنكرة للسنوات التي استغرقتها هذه الكارثة (وما تزال) خير دليل على أننا مغامرون هواة صمموا على المشاركة في اللعبة التي لم تكن تعني غير رهن أمننا القومي وسياداتنا العربية الوطنية والقومية وتخريب جميع ما بني بعد نجاح حركة التحرر الوطني في الخروج بهم من مرحلة الاستعمار القديم.

العثمانيون والفرس يعيدون إنتاج تاريخ السيطرة والهيمنة على الإقليم العربي، مثلما كانوا دائمًا، يأملون بأن نكون على حدودهم طرائد جريحة ليعملوا فيها أنياب أحلامهم وثاراتهم الإمبراطورية، أما ميليشيات الإسلام السياسي وكتائب الإثنيات الانفصالية فقد كانت دائمًا، عن رضا وتواطؤ أو عن مناورة متهورة، مخالب لأعداء أمتنا «الجريحة» سواء أكان هؤلاء الأعداء ضباعًا أم وحوشًا ضارية.

هذا زمانك يا مهازل

التعقيب الثاني يحمل العنوان أعلاه ويتصل بذات الموضوع السوري: «بالرغم من انتهاء الحرب على (داعش) في كل من سوريا والعراق، فقد أعلن الامريكان قبل فترة، أنهم لن يكرروا خطأهم السابق المتمثل في الانسحاب من العراق، بالانسحاب من سوريا، ولذلك (طلعوا) بفكرة جديدة، لا يجوع الذئب معها ولا يفنى الغنم. وهي تشكيل جيش كردي مرتزق في شمال سوريا، قوامه 30 ألف مقاتل على ان تتولى الولايات المتحدة الامريكية تسليح هذه الميليشيا ستكون قيادتها أمريكية.

تركيا تتدخل في شمال سوريا وعلى امتداد حدودها معها بآلاف الجنود والدبابات والطائرات (لسحق) المليشيات الكردية، دفاعًا عن أمنها القومي!

الروس حصلوا على قاعدتين عسكريتين في سوريا بشكل (رسمي) للدفاع عن مصالح روسيا الاستراتيجية في سوريا!!

أما الإيرانيون فإنهم أمنوا الطريق الرابط بين العراق وسوريا وصولاً الى لبنان، من خلال مليشيات مرتزقة. والعنوان هو ضمان مصلحة إيران الاستراتيجية.

باختصار الكل وجد مصالحه الاستراتيجية والقومية في سوريا إلا السوريين فإنهم على هامش الأحداث، ويبدو أنه لا مصلحة لهم أصلاً!

فهذا زمانك يا مهازل فامرحي!»

دليل البلاهة 

وأختم بالرد على التعقيبين من وجهة نظر أخرى:

كيف تقضي حياتك مرتاح البال؟ سؤال قد يكون الجواب عنه عن النحو التالي: هي أن تكون أبلهًا. فالبلاهة هي أن تعلن أنك لا ترى لا تسمع لا تتكلم، ثم تختفي في غرفة مغلقة لمشاهدة المسلسلات المكسيكية والتركية والمباريات الرياضية عبر العالم، بحيث تمارس الموت الرحيم أو موت الوعي السري... والموت الرحيم هو أقرب إلى الموت البطيء الهادئ بعيدًا عن شغل البال بالهموم الفردية أو الجماعية. بل ربما يكون أقرب إلى محو كل ما هو مؤلم من الذاكرة، بما في ذلك التاريخ العربي الحديث والمعاصر المليء بالهزائم والنكبات. الموت الرحيم يتمثل أيضا في الهجرة بعيدًا عن أي نوع من النشاط الفكري أو الثقافي، بما في ذلك حضور ندوات الثرثرة الثقافية، والمعارض التشكيلية، والحفلات الموسيقية...

والموت الرحيم يمكن أن يتخذ شكل الاندفاع الجنوني وراء الهوس المحموم، ضمن سلسلة متصلة من التفاهات اليومية واللهاث وراء سخافات وعبث الفضائيات العربية التي تدرب المشاهد على الغيبوبة والبلاهة العامة والخاصة، وبناء قيم البلادة والركاكة...

وفي ظل الموت الثقافي الرحيم لن يكون بوسع المتلقي ان يدلي بدلوه في أي موضوع، أو أن يتلمس الطريق إلى طرح الأسئلة الموجعة او البحث عن أجوبتها في قاموس الفكر والسياسة والوعي بأزمتنا الحضارية. ولن يكون في وسعه مقاومة النسيان والتغييب وإعادة بناء الذاكرة، كي يستقيم الموقف ويبطل الخلل. أو كسر الأغلال عبر أدوات المعرفة بغرض الوصول إلى الحرية. ولن يكون بوسعه أبدًا أن يدلي بصوته المحجوز أصلاً لضروب المرجعيات المقدسة. لان الفاعل الرئيسي في هذه العملية هو العقل. والعقل غائب مغيب. مغيب في حالة صيانة قد تطول، حيث تتم تربيته على أن يكون نائمًا مسترخيًا، لا حول له ولا قوة، بما يؤهل صاحبه ليكون أبلهًا. يقبل بما يعرض عليه، ويصدق جميع ما يقال، لا يناقش، لا يجادل، وأمر التفكير عنه موكول لغيره. وبذلك يكون قادرًا على تقبل جميع ما يفترض في حال امتلاك الوحي والحس الإنساني الحي أن يهز كيانه.

رحم الله زمانًا كان فيه المثقف بالمرصاد لمن يعبث بالهوامش من حياة الفكر والإبداع وحركة تطور المجتمع، رصدًا وتحليلاً وتفكيرًا، أما اليوم فإن الباب مشرع على مصراعيه للعبث بالثوابت دون مقاومة أو مناقشة، أو للرقص على سلم الأيديولوجيا البائدة أو بيع الفكر لمن يدفع أكثر. 

فهذا زمانك يا مهازل فامرحي!!!

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها