النسخة الورقية
العدد 11182 الأربعاء 20 نوفمبر 2019 الموافق 23 ربيع الأولى 1441
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    4:36AM
  • الظهر
    11:23AM
  • العصر
    2:26PM
  • المغرب
    4:47PM
  • العشاء
    6:17PM

كتاب الايام

أم كلثوم.. المتربّعة على عرش قلوبنا والفرق بين الثرى والثريا

رابط مختصر
العدد 10534 السبت 10 فبراير 2018 الموافق 24 جمادى الاول 1439

عندما كتبت عن الإرهاب الأسبوع الماضي نويت استكمال سلسلة أخرى عن التطرف ولكن عن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، بسبب قراراته «الغير موزونة والموتورة» حيال القضايا العربية ومنها بالتحديد القضية الفلسطينية وقراره نقل السفارة الأمريكية من تل أبيب الى القدس واعتبارها عاصمة لإسرائيل، ولكني تراجعت عن الكتابة في هذا الموضوع، لم يكن مبعث تراجعي سياسيا بل أمرا آخر وجدته أكثر أهمية من ترامب بقراراته المتناقضة، فقد حلت الذكرى الـ43 لرحيل سيدة الغناء العربي عن عالمنا، وبما أنني من عشاقها، فتخليت عن الكتابة عن جنون الرئيس الامريكي وارتأيت ان اكتب عن ام كلثوم فمن حق أم كلثوم علينا أن نحتفي بذكراها وهي الإنسانة التي لن تغيب عن ذكرانا، أما ترامب فمشاكله وأزماته لن تنتهي، فهو يترنح داخل بلاده من كثرة خلافاته وآخرها خلافه الشديد مع أعضاء الحزب الديمقراطي في مجلس النواب الذين لم يصفقوا لكلمته أثناء إلقائه لها ووصفه لهم بـ«الخونة»..كما أننا إذا كنا عولنا على الرئيس الأمريكي في إنصاف قضايانا العربية نظرا للحفاوة التي استقبلناه بها في السعودية، فأجدني حاليًا أنه شخص لا يستحق الكتابة عنه في الوقت الراهن، وهو لن يغير قراره بشأن القدس نتيجة كتاباتنا أو توبيخنا لكل ما يصرح به من «.......»، ولهذا سأواصل حديثي عن سيدة الغناء العربي أم كلثوم. فهناك بالتأكيد فرق بين الثرى والثريا..

فأم كلثوم لا تزال تتربع على عرش الغناء العربى بلا منافس رغم مرور 43 عاما على رحيلها، نعم لم ينازعها حتى الآن أي من مئات من الأصوات التي ظهرت فى مصر والوطن العربى، فلم يستطع أي مطرب أو مطربة أن ينتزع اللقب من أم كلثوم. فقد قدمت «الست» على مدى عمرها الفني الذي يقترب من نصف قرن تقريبا مئات الأعمال الغنائية من قصائد وأغان لا تزال تعيش في وجداننا حتى يومنا هذا. ليس هذا فقط، فأغاني أم كلثوم تعيش فينا وتؤثر في مشاعرنا وتحرك أحاسيسنا، فعشنا فيها حبًا وغرامًا وعشقًا، ولن أكرر ما كتبته مرارًا من أن أغاني أم كلثوم علمتنا الحب حتى وأن كانت تغني للهجر والهجران، فهي كانت تحب وتبث في قلوبنا معاني الحب، فخلقت فينا حالة من النشوى والبهجة. فهي بهجة الماضي والحاضر والمستقبل وروح الأمل فينا، فلا استطيع أنا أو غيري أن نقول إنها تنتمي للماضي، فهي حاضرة معنا اليوم وتعيش معنا اللحظة الراهنة بكل تجلياتها وآهاتها، وهي تتخطي التاريخ لتمر عبر سنواته الى المستقبل، إنها أم كلثوم عابرة الأزمنة والحدود.

و من لم يتذكر كل أغانيها العاطفية وحتى عندما غنت لمصر والوطن العربي كانت مطربة فوق العادة، فكل أعمالها تتحدث عن نفسها وستبقى كما يقول المصريون بقاء الأهرامات وتاريخهم العريق، فهي خالدة مثل نهر النيل، ولم لا؟.. فالمصريون يعتبرونها نهرًا متدفقًا من الحب، فليس بالماء وحده يعيش المرء. فنيل مصر يروي ظمأ المصريين على مر الدهر، وهي تروي قلوبنا مدى الحياة، فهي حالة من الإبداع اللامتناهي، إبداع مستمر معنا لم يصل له سواها.

وحتى لا يعاتبني البعض بأنني قاس على ما أتانا بعد أم كلثوم من مطربين رجال وسيدات، فأنا اعترف بأنني استمع لكل الأصوات منذ رحيلها، ولكن أين هي عبقرية هذه السيدة العظيمة التي دخلت بيت كل مصري وعربي وتسللت له عبر المذياع قديما حتى ظهر التلفزيون، ولا اجافي الحقيقة إذا قلت أنها تسيطر على عالم السوشيال ميديا وهو العالم الخاص بالشباب، فمن يلقي نظرة على سبيل المثال على «اليوتيوب» سيجد أغانيها تحصد ملايين المشاهدات والإعجاب.

لم تغلق أم كلثوم الباب أمام الأصوات الشابة ولكنها شجعتهم، فهي حفرت في جيلها وما تبعه من أجيال حتى يومنا هذا منطق الحب والحياة وقد استفاد كل من جاء بعدها بهذا المنطق، ولكن هذه السيدة العظيمة لا تزال تحتفظ بعبقرية كتبت باسم عبقرية «أم كلثوم»، فرغم أصولها الريفية فهي اكتسبت ثقافة نادرة مكنتها من حسن انتقائها لقصائدها وأغانيها.. ولكن لا ننكر أن عصر أم كلثوم كان زاخرًا بشعراء وملحنين عظام، شكلوا جميعًا حلقة فنية نادرة الحدوث. فمن أين نآتي حاليًا بملحنين مثل أبو العلا محمد ورياض السنباطي وزكريا أحمد ومحمد عبدالوهاب وبليغ حمدي والقصبجي ومحمد الموجى وسيد مكاوى؟.. وأين العظام أحمد شوقي وأحمد رامي وأحمد شفيق كامل وعبدالفتاح مصطفى وعبدالمنعم السباعي وعبدالوهاب محمد وكامل الشناوى ومأمون الشناوى وإبراهيم ناجي وعبدالله الفيصل ومحمد إقبال ومحمد يونس القاضى؟.. وأين محمود حسن إسماعيل وحافظ إبراهيم ومرسى جميل عزيز وبيرم التونسى وجورج جرداق؟.. وبغض النظر عن الشعراء والملحنين العظام، فقد صنعت أم كلثوم مناخا غنائيا سخيا حولها، لتتربع متفردة على عرش الغناء العربى فى الماضى والحاضر والمستقبل.. وربما نتحدث عن سحر شخصيتها، فهي لا تزال متفردة وخلاقة حتى بعد 43 عامًا على رحيلها عن دنيانا ولكنها ساكنة فينا أبد الدهر، وحتى لا نظلمها سنقول إنها بلغت مكانة لم يبلغها سواها حتى وإن كنا لا نقدسها حتى لا يتهمنا أحد بالزندقة في عصر يكثر فيه الإرهابيون والتكفيريون، فوقتها لم نشهد مثل هذه الأجواء الملبدة وكل جماعة تكفر الأخرى.. فهي «الأيقونة» التي جمعت العرب وزعماءهم على قلب سيدة واحدة، فصوتها يمر عبر كل أرجاء الوطن العربي بلا حدود وهمية، فقد كسرت الحواجز والحدود، كما تخطت العصور والأجيال لتكون بحق الأسطورة والأيقونة الدائمة.

فقد كانت السيدة أم كلثوم العلامة الأبرز في الصحافة المصرية والعربية رغم ما كانت تموج به بلدان الوطن في عصرها، فهي عاصرت عهود الاحتلال والاستقلال والنصر والهزيمة ثم النصر، وكانت أخبارها تجمع كل أبناء الوطن العربي رغم الخلافات الكبيرة والمتباينة التي اعترضت طريق الزعماء، فقد كانت بحق «الخبر» الأهم للصحف والمجلات والخبر الأبرز للإذاعات والتلفزيونات.

لقد اعتدت في كل كتاباتي عن أم كلثوم أن استعين بإحدى أغانيها أو قصائدها، وكانت السلسلة الأخيرة عن الذكريات، كل هذا لأعيش معها وبها، فهي اخترعت قانونا خاصا بها مع جمهورها لتتربع على قلبه وعقله وفكره ووجدانه، وعممت صوتها على الجميع، ولم تخضع لسلطة أو نظام وهي التهمة التي حاول غلمان كل الأنظمة أن يلصقونها بسيدة الغناء العربي، ليبرئها جمهورها من كل حدب وصوب، فهي صاحبة العصمة، القوية، صاحبة أقوى حنجرة أنثوية في التاريخ، وملكت قلب الفقير والغني، البسيط وصاحب السلطة والحظوة، فهي مثل مياه نهر النيل ملك الجميع، تمتلك قلوبهم جميعا، بكلمة منها وآهة تتنهد بها، فعاشت عصرها مدللة وبعد وفاتها أسطورة، فهي لا تغادر ذاكرتنا، استقرت فيها وتربعت، فملكت القلوب واستوطنت فيها بعد أن وهبتنا نتاج أغلى حنجرة، أحبتنا فأحببناه وبادلناها حبًا بحب، فنسجت علاقة خاصة أو معادلة متفردة باسمها مع الجمهور، هي تغني وتلهب عواطفنا بكلماتها وصوتها وآهاتها لتمتعنا، وليكون التصفيق المكون الآخر من المعادلة الكلثومية، وليكون هذا التصفيق هو الطرب بالنسبة لها الذي يشجيها عبر آذانها لتحوله لنا صوتًا ملائكيًا وآهاتٍ شجية.

لقد عاشت أم كلثوم تجربة طربية وغنائية مليئة بالمحن والأشجان، فحياتها لم تخل من منغصات ومشكلات وأزمات، ولكنها استطاعت التغلب على كل هذا بفضل حبها وعشقها لفنها وإخلاصها لجمهورها الذي منحها تاج المحبة ورسم منها أيقونة خالدة مثل الأساطير اليونانية. وقد علمتنا تلك السيدة معنى «الآهة أو الآهات»، ونوعت في القائها مرة بترفيع الصوت ومرة بتضخيمه حتى أمتعتنا، فهي بحق تجربة خالدة لن يجود بها الزمان مرة أخرى على الأقل في الأزمنة القريبة، ويكفيها لحظة تتلاقى فيها مع جمهورها عبر لحظة انفعالها واندماجها في الأداء، ليتجلى صوتها حبا في الله عبر أغانيها وابتهالاتها الصوفية وفي مدح سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم في «ولد الهدى والرضا والنور وسلوا قلبي وحديث الروح ورباعيات الخيام والقلب يعشق كل جميل».. كما أنها لم تتخل عن الوطن في أي لحظة من اللحظات لتغني له على بلد المحبوب وديني ومصر تتحدث على نفسها وطوف وشوف».. ثم لم تتخلَ عنا نحن جمهورها العريض لتعلمنا الحب بكل معانيه سواء من الف عام تقريبًا بـ«آراك عصي الدمع» لأبي فراس الحمداني، لتصل الى شعراء عصرها المبدعين الذين كتبوا لها «يا ظالمني ورق الحبيب وسهران لوحدي ويا مسهرني ودليلي احتار وأمل حياتي وذكريات قصة حبي وإنت عمري وفكروني وأمل حياتي وظلمنا الحب وسيرة الحب وفات الميعاد» وغيرها من إرثها الذي لا ينضب مثل شلال أو بئر المياه الذي يظل يروينا الى يوم الدهر.. وإذا كنت أنوي الكتابة عن فات الميعاد، فقد سرقني الوقت في الكتابة عن الأيقونة نفسها، لأعد القراء الأعزاء الكتابة عن رائعة أم كلثوم مع مرسي جميل عزيز وبليغ حمدي في أقرب فرصة.

قبل الأخير..

يوم الحب 

يهل علينا عيد الحب يوم الأربعاء المقبل، ولعلي أفكر كل المحبين في عالمنا العربي بالحب، فالحب هو الينبوع الذي يروي الحياة مثل الماء الذي يرتوي منه الظمآن، فينبوع الحب لا ينقطع طالما ظلت القلوب متحابة ومتسامحة وعواطفها جيّاشة.. اتحدث عن الحب بكل معانيه، بين حبيبن وزوجين وبين الأسر والعائلات في الوطن الواحد، حتى بين الأوطان، فالحب معنى كبير نعيش فيه، فحب الوطن واجب والانتماء له فريضة، وحب الأسرة فرض حتى نخلق وطنا ومجتمعا قويا ومتماسكا، وحب الشعب لقيادته دليل على الوفاء المتبادل بين طرفي معادلة أبدية، قيادة تخطط وتجتهد لإسعاد شعبها، وشعب يتفانى في العطاء والإخلاص لقيادته، حتى تستمر الحياة جميلة..

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها