النسخة الورقية
العدد 11146 الثلاثاء 15 أكتوبر 2019 الموافق 16 صفر 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    4:17AM
  • الظهر
    11:24AM
  • العصر
    2:42PM
  • المغرب
    5:10PM
  • العشاء
    6:40PM

كتاب الايام

كم هو بطيء هذا «السريع» وحدها روح الطفولة توحِّد العالم!

رابط مختصر
العدد 10531 الأربعاء 7 فبراير 2018 الموافق 21 جمادى الاول 1439

زمن المعجزات يتدحرج، وفي الساحات يتوهَّج الكسيح، ونحن ندعي أننا نسكن الثقافة أو الثقافة تسكننا في زمن التصحر والفوضى العارمة، وفقد الحس الإنساني. النفوس استوحشت، وكلماتنا تفضحنا، تنحاز لشعوبية ما، تنحاز للحظة الماضية بدلاً من المستقبل الواعد.

عندما أسير في الشوارع وأرى كل هذه الوجوه العدنانية والهجرية، والكنعانية، وأولئك الفينيقيين والبربر والترك، والكرد والزنج والعجم، فلا أرى إلا الإنسان يلفه المكان والنور والظلام والنسيان في رحلة الهواء والهراء الطائفي والعرقي. فهذه الطوائف لم تستقل بثقافاتها سوى لإيقاظ الحروب وتدير إنسانية الانسان، وبما به يكون إنساناً. 

الحرية ولا شيء غير الحرية في أن نكون مختلفين، في أن نكتب ونقول ما نؤمن به من دون وقاحة. تلك الحرية التي لم تستثمر بعد لبناء ثقافة متعددة حرة، قد يحسدنا عليها العالم، ولكننا نبدو كعالم يدور حول نفسه يلوك كلماته عبر القرون، يجتر نفسه يكررها يومياً بصور مختلفة. يكذب ثم بكذب حتى تضيع منه الحقائق. ولذلك لم يحدث عندنا أي تقدُّم كبير أو اختراق حضاري، فاليوم صنو الأمس والأمس أخ الغد، فلا مفاجآت ولا تجدد أو تجديد. وإنْ كان من المفاجئ أن نرى فقط كم هو بطيء هذا «السريع» عندنا، كأننا واقفون في أمكنتنا القاحلة حتى من خفوق سراب. 

كيف نخرج من قشرة الشيء المعتاد؟ كيف نعثر على أنفسنا، على الجوهر فيها: الانسان والحرية. قدر الله في الإنسان أن يكون حراً. حراً فيما يكتب، فيما يقول وفيما يختار. ولكن الحرية فيما نكتب وفيما نقول لا تعني الوقاحة. ولكن النزاهة فيما نكتب تعني فيما تعنيه كسر قشرة اللياقة المزيفة والكذب مع سبق الإصرار والترصد. ولكن إذا ما توكَّلنا على سلطة الحرية فينا، يكون لنا شرف اتخاذ موقف مُعارِض للرأي العام نفسه، ولكن من دون خدشه. أي أننا ننقده من داخل المنظومة، وليس من خارجها. لأننا شركاء في القيم. هذه هي الرسالة التي يحاول الكاتب الصادق الذي ينشد التنوير والتغيير، أن يمرِّرها فيما يكتب وفيما يقول. رسالة العيش بسلطة الحسِّ العام لتجاوزه. وهذا يشبه إلى حد بعيد استعادة روح الطفولة التي توحِّد العالم.

إن تحرير روح الطفولة فينا مهمةٌ أساسية في أي عمل كتابي أصيل، بل إن مدار بقائنا يتوقف على قدرتنا على تحرير الطفل الداخلي فينا؛ وهذا قطعًا واحد من الأسئلة الأهم في عصرنا.

 

الإبداعي والسياسي؟ 

السؤال أعلاه طرحه أحد مقدمي البرامج مؤخراً على محاوريه، فكانت الإجابات، أقرب إلى رثاء اللحظة الهاربة والحنين الى زمن كان كتاب العواميد أدباء قصاصين وشعراء ومسرحيين. كتاب من الوزن الثقيل، اختفوا أو تم استبعادهم بشتى الوسائل. كانوا يكتبون في أدب القضايا، بعيداً عن تفاصيل الحياة اليومية. اما اليوم فقد أصبحت تلك التفاصيل هي مدار الكتابة.

شخصياً لم أعد أؤمن بأدب القضايا. فلستُ كاتباً في منظمة العفو الدولية، ولا في المنظمة العربية لحقوق الإنسان! لم أعد أحب الشعر المناضل. ولا الرواية المناضلة، لأنها تذكرني بـ«المارشات» العسكرية. الإبداع مثل الحياة، حر متجدد، بلا قيود، وبلا التزامات. لا شيء محدداً فيه، وأصول الكتابة تكمن في الحرية الداخلية. أن تكون مثقفاً ومحبّاً للحياة، أن تكون كاتباً جوالاً وقارئاً في المقاهي وعلى الأرصفة، أن تكون عربياً، أن تكون في جميع الأحوال والفضاءات ومهما تغيرت الجغرافيا أن تكون أنت نفسك من دون ماكياج أو تزييف. أن تكون الضائع في زحمة الجغرافيا والألوان واللغات بين وجود وعدم، دون أن تخشى لومة لائم.

 

بين الحب والموت 

سألني أحد الأصدقاء يوماً: لماذا تعود دائماً إلى الكتابة عن الحب والموت معاً وباستمرار وكأنهما وجهان لعملة واحدة عندك؟ 

قلت: الحب هو أكثر تجارب الحياة مساساً بإنسانية الإنسان تماماً مثل الوجود والعدم، فما الحب إلا انتصار على النوع والجنس اللذين يخلوان من التفرد والفردية. وعندما يكون الحب قويًا فإنه يتصف بعمق يمكن أن يصِل إلى اللانهائية. أما الموت، فقد يكون انتصارًا للحب والتضحية بالذات، والإنسان يشقُّ عليه أن يواجِهَ سرَّ الموت، ولكنه يدرِك في نهاية الأمر أن الموت ينطوي على سر فريد هو الحب النابِع من الحياة الأبدية. ولابد من أن نفقد الحياة لكي نظفر بها ظَفَرًا كامِلاً، ولذلك فالحب والموت لا ينفصِلان، غير أن الحب أقوى من الموت ولهذا يستمر في الموت الاتصال الروحي بهؤلاء الذين نحبهم بل إنه يزداد توثقًا، وذلك لأنه اجتاز تضحية الحب العظمى التي هي الموت. قد يكون الموت لحظة التنوير العظمى، ولأن الإنسان يتحرر في الموت من ملامحِه الفظَّة القبيحَة، ولأن الموت إيذانٌ بالتحول السامي. لكن لا شيء يمكن أن ينقذ العالَم من حالَة الغربة في نهاية الأمر غير الله.

 

همس

اللحن ينام في ظل الشجرة المائلة

خافت في ساحة بلا بداية.

ظلال القبلات الفاترة تقف على أبواب الليل.

الذكرى تختبئ وحيدة

تفتح ثقبًا صغيرًا في الباب المقفل.

أقف طويلاً أمام المرآة:

الصورة خلفي ترقد وحيدة

يعانقها الوهج الحارق.

تمتلئ السماء بالأجنحة البيض

 لكن لا طيرٌ لدي ولا رُسل.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها