النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 10912 السبت 23 فبراير 2019 الموافق 18 جمادى الثاني 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    4:50AM
  • الظهر
    11:51AM
  • العصر
    3:08AM
  • المغرب
    5:36AM
  • العشاء
    7:06AM

كتاب الايام

حكاية تهز الوجدان

رابط مختصر
العدد 10530 الثلاثاء 6 فبراير 2018 الموافق 20 جمادى الاول 1439

كان الشاعر الجاهلي عروة ابن الورد الذي عرف بإنسانيته وعطفه على الفقراء يتخيل مجازاً أنه يقسم جسمه على الفقراء والمحتاجين الذين يقفون على باب خيمته طالبين الأرغفة والطعام حين يعضهم الجوع فهم يعرفون أن عروة لا يردهم خائبين. 

عروة ابن الورد الملقب بأمير الصعاليك يعطيهم ما تبقى من خبزه ولقمته وينام ليلته طاوياً على الجوع، فقال بيته الشعري الشهير: أُقسّمُ جسمي في جسوم كثيرة /‏ وأحسو قراح الماء والماء بارد. 

زينب آل ليث من قرية دار كليب اختبرت هذا الشعور حين وهبت أختها الصغيرة ليلى كليتها. زينب وليلى حكاية تلهمنا، وتجعلنا أكثر إنسانية.  

قصة تمنحنا القوة والإرادة لنقاوم مآسي الحياة الكثيرة التي تنتابنا فنكون عرضة للسقوط في مهاوي اليأس والقنوط؛ هي قصتان، وليست قصة واحدة. فسيلتان رائعتان من أسرة واحدة. شمعتان تضيئان حياتنا. 

قرأت قصة زينب وليلى آل ليث في جريدة الأيام على الصفحة الأولى قبل أيام. ولا شك كان نشر قصة هاتين الأختين في الصفحة الأولى التي تنشر فيها أهم الأخبار المحلية والعالمية، تعني ضمناً تقديرًا جلياً لما تحمله قصتهما من دلالات إنسانية رفيعة، تلهم الناس، وتنير دروبهم، وتعينهم على مواجهة أسقام الحياة وآلامها، وما أكثرها. الأخت الصغيرة ليلى تشكو مرضاً في كليتها منذ الطفولة، ورغم ذلك حملت آلام المرض وأكملت التوجيهية، لكنها لم تكتفِ بالتوجيهية، ولَم يقف المرض عائقاً أمامها فتخطت الظروف والأقدار واختارت تخصصاً صعباً لا يقدر عليه الأصحاء. اختارت ليلى آل ليث الطب وهو تخصص يحتاج الى صبر وجلد طويلين، لكن إرادتها كانت أقوى من قسوة المرض، وشغفها بالعلم كان أكبر من وهنها وضعفها. ذهبت الأخت الصغيرة المحاربة كما تصفها زينب الى بلاد بعيدة بمعية مرضها وطموحها، جنباً الى جنب، ذهبت الى الصين تطلب العلم: «اطلبوا العلم ولو في الصين» فالصين بعيدة، والسفر اليها مجهد، وليلى المريضة بالكلى لا طاقة لها ولا قدرة على تحمل مشاق السفر، لكنها تحدت الظروف مجتمعة، وسافرت مستهينة بمشاق السفر والغربة طلباً للعلم، وطلب العلم جهاد. أثناء دراستها في الصين تتدهور كليتها، لتصبح ليلى على اعتاب الفشل الكلوي. تعود ليلى آل ليث من قرية دار كليب الى البحرين للعلاج ويقف المرض عائقاً عن إكمال دراستها، فتتبرع الأخت الكبيرة زينب بكليتها لليلى المحاربة. ولعل ليلى أخذت عادة الاحتراب من أختها زينب التي تعتقد ان منح حياة جديدة لإنسان هو إعادة حياة للانسانية كلها، تهدينا زينب درساً نتعلمه في حب الآخرين، بأريحية التضحية وحنان الأم تقدم الأخت الكبيرة جزءاً من كيانها عن طيب خاطر، تتبرع بكليتها. وتنتهي العملية بالنجاح، وتعود الابتسامة الى وجه المحاربة الصغيرة ليلى، كما يشرق النهار في وجه زينب فأختها ليلى الشغوفة بالعلم تستطيع أن تكمل دراستها. 

لم أستطع أن أتمالك مشاعري التي فاضت بين جوانحي وأنا أقرأ هذه الحكاية بجريدة الأيام. أحسست أن الحياة التي تحيط بِنَا فيها من معاني الجمال والألفة والحب والتآخي ما نغفل عنه كثيراً. 

مع هذه النماذج الإنسانية تصبح الحياة أكثر اشراقاً، وأشد رونقاً وأزهى. وجدت في حكاية زينب وليلى جسارة وإقدام وارادة أجيالنا الجديدة الشابة، التي تخط بإرادتها وصمودها مستقبل بلادنا المشرق. 

إذا كانت أجيالنا الشابة على شاكلة زينب وليلى فمسقبلنا بخير، والأيام الجميلة في انتظارنا، جيل جديد يتحلى بإرادة التضحية والعطاء، يترسم خطى أجيالاً كثيرة عاشت في هذه البلاد الطيبة، أيام شظف العيش. 

تستطيع المحاربة الصغيرة ليلى الآن بعد أن تتعافى العودة الى الصين، بإذن الله ورعايته، وتأخذ موقعاً متقدماً في جبهة بناء وتعمير بلادنا العزيزة. 

وفتاة بإرادة ليلى ستحقق ما تصبو اليه، وبجدارة، تدفعها روحها المقاتلة، وبأسها الشديد، وإصرارها السامق، وصبرها الطويل. وبعد سنوات قليلة ستعود إلينا ليلى الصغيرة التي ستصبح طبيبة كبيرة، لتعمل في مهنة هي أكثر المهن إنسانية.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها