النسخة الورقية
العدد 11148 الخميس 17 أكتوبر 2019 الموافق 17 صفر 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    4:18AM
  • الظهر
    11:23AM
  • العصر
    2:41PM
  • المغرب
    5:08PM
  • العشاء
    6:38PM

كتاب الايام

مطارحات

معالجة الخلل الاتصالي.. التقاعد.. والخروج من دائرة الإشاعة

رابط مختصر
العدد 10529 الإثنين 5 فبراير 2018 الموافق 19 جمادى الاول 1439

عادت مجدداً تلك الاشاعات المتعلقة بتغيير أو تعديل أنظمة التقاعد، بنفس الأسلوب الذي عشناه قبل سنتين تقريباً، حيث سبق أن أدت تلك الاشاعة الخاصة بزيادة سن التقاعد إلى 65 وإلغاء مكافأة نهاية الخدمة، وزيادة نسبة الاستقطاعات من الموظفين والعمال إلى موجة من التقاعد المبكر، حملت معها قسماً هاماً من الكفاءات الوطنية التي انفقت الدولة المال والجهد في سبيل إعدادها وتدريبها، فإذا بها اليوم تجلس في البيوت أو في المقاهي. 

المشكلة ليست في العودة إلى إثارة هذا الموضوع للمرة الثانية، فالموضوع جدي ويمثل مشكلة كبيرة، لابد حلها من دون إبطاء، وإنما المشكل هو في الأساس اتصالي بالدرجة الأولى؛ لأن التأخر الاتصالي من شأنه جعل الناس تعيش حالة من عدم الوضوح، وما يترتب على ذلك من خوف والارتباك.

صحيح أن موضوع صناديق التقاعد أصبح يشكل معضلة مزمنة بالنسبة لجميع الدول في العالم، حتى المتقدمة والغنية منها، ولذلك تضطر، وباستمرار لمراجعة أنظمتها، وتعديلها بما يضمن الاستدامة. ولكن لا يمكن أن يعالج مثل هذا الموضوع الهام من خلال الاشاعات التي تثير المخاوف من دون شرح أو توضيح ضمن نقاش عام جدي وموضوعي، يضع النقاط على الحروف، بحيث يعي الرأي العام مخاطر الاستمرار في النسق الحالي، من دون تعديل يضمن استمرار قدرة صناديق التقاعد على الوفاء بالتزاماتها تجاه المتقاعدين.

هذا الملف يحتاج إذن، إلى حملة إعلامية عقلانية ومقنعة، قادرة على تنظيم جولات مفتوحة من النقاش العام، والحوار مع المختصين وممثلي كافة الجهات المعنية. على ألا يكون هذا الحوار في شكل خطب ومواعظ، ملّ الناس من الاستماع إليها. فالمطلوب عند فتح باب النقاش في هذا الملف هو العمل على تدوير زوايا النظر فيه بشكل متوازن، ووضع الحقائق أمام الجمهور بصراحة وموضوعية. كي يتم استيعاب حجم المشكل ويقتنع الجمهور بضرورة الإسراع بالمعالجة قبل فوات الأوان. لأن أي تباطؤ أو تأخير في معالجته سوف يؤديان إلى حدوث معضلة كبيرة في المستقبل. ومن المؤكد ان الجهات الرسمية المختصة - في سياق مثل هذا الحوار- تمتلك أوراقاً قوية، ودراسات وأرقاماً وحلولاً، وبإمكانها أن تسجل نقاطاً عديدة مهمة؛ لأن المواطن قادر على التفهم وتقبل الحلول الجدية المتوازنة التي لا تحمله وحده كافة تبعات هذا الملف، على أن تكون الرسالة واضحة، دقيقة وعقلانية.

فإذا كان أمر الصناديق التقاعدية لا يمس جميع المواطنين الذين يعملون اليوم، فإنه يمس المتقاعدين أو من هم على وشك التقاعد؛ ولذلك فإن أي خطأ يحدث في معالجته سيكون أثره سيئاً جداً. لأنه يمس أشخاصاً لا قدرة لهم على العمل، بل ولا حول ولا قوة لهم ولا حيلة. فالشخص حينما يتقدم في السن لن تكون له قدرة على تدبير أموره وإيجاد مصدر للرزق غير معاشه التقاعدي. هذا فضلاً عن زيادة احتمال تعرضه للأمراض، بما يرفع سقف حاجته إلى الرعاية. إلا أن هذا الواقع وهذه الأرقام التي تتحدث عن العجز الاكتواري تأتي في ظل المطالبات من قبل المتقاعدين بتحسين أوضاعهم، وتحسين ظروفهم المعيشية وربط معاشاتهم بمستوى التضخم لمواجهة ارتفاع تكاليف المعيشة.

إن موضوع التقاعد موضوع حيوي، ولا يحتمل أي تأخير لحله بشكل منصف، وكلما كان هذا الحل مبكراً كان الأمر أفضل للجميع من أجل تدارك التبعات المترتبة على الوضع الحالي. فهنالك مشكل مزمن تعاني منه الصناديق التقاعدية بكافة اشكالها -في البحرين وفي غير البحرين- وان الاختلاف هو فقط في مدى خطورة الوضع من بلد إلى آخر، حيث يشكل الارتفاع المتزايد في أعداد المتقاعدين عبئاً كبيراً، خاصة في ظل ما يواكب ذلك من ارتفاع مصروفات وازدياد حجم معاشات التقاعد التي خلفت اختلالاً بين المصروفات والاشتراكات. وباتت هذه الأزمة تتفاقم وتلوح نذرها في الأفق من واقع أرقام العجز الاكتواري وأداء استثمارات الصناديق التقاعدية التي أصبح الشك يحوم حول مدى قدرتها على الوفاء بالتزاماتها كبيراً. فإذا ما استمر الوضع على ما هو عليه، مع التأثير السلبي للتقاعد المبكر السهل وغير المبرر والذي يأكل قسماً كبيراً من موارد الصناديق التقاعدية الشحيحة أصلاً، فإن الأمر قد يصل إلى العجز التام لا قدر الله. 

هذا الوضع يجب أن يقلق الجميع، لأنه يتعلق بمدى قدرة هذه المؤسسات على الاستدامة، ما يتطلب جهداً أكبر لرفع الوعي بشأن التأمينات ومعاشات التقاعد، سواء من خلال نشر المعلومات والاحصائيات والبيانات الدقيقة، التي تساعد على الفهم والتفهم، لجهة قدرة الصناديق التقاعدية على الاستمرارية والاستدامة والحفاظ على مركزها المالي. فالعديد من دول العالم تنبهت مبكراً لحجم المشكلة في أنظمتها التقاعدية ومعدلات تراكم العجز والتحدي الذي يواجهها في هذا الجانب، إذ اضطرت كثير منها إلى تغيير سن التقاعد برفعه إلى 62 أو 65 عاماً، وإلغاء التقاعد المبكر ورفع الاشتراكات، وتعزيز أداء وكفاءة الصناديق الاحتياطية والاستثمارية التي تمثل سنداً لهذه الأنظمة وطوق النجاة لحمايتها من التعثر.

وهناك تجارب وحالات مرت بها العديد من الدول، بعضها مؤلمة جداً وبعضها تمت السيطرة عليها قبل فوات الأوان. وهناك بعض الدول المتقدمة لديها نظام تلقائي يسمح بإجراء مراجعة سنوية من دون الحاجة الى إيجاد تشريع جديد، فإذا وجدوا زيادة في المطالبات يقومون بتخفيض المنافع بشكل تلقائي، أو يزيدون الاشتراكات، أو يأخذون بكلا الأمرين معاً، وإذا ما وجدوا فائضاً فإنهم يزيدون في المنافع والامتيازات، بما يضمن استدامة عمل الصندوق. وجميع هذه الدول ألغت نهائيا أنظمة التقاعد المبكر، إذ لا مبرر لوجودها إلا ارتباطا بالحالات الصحية والعجز عن العمل. وجميعها اتجهت إلى رفع السن التقاعدية لكن بشكل تدريجي وليس دفعة واحدة، لأنه من الصعب في الأنظمة التقاعدية أن تأتي بأنظمة وإجراءات بين عشية وضحاها، إذ لا بد أن تكون الأمور بصورة تدريجية.

فالقضية في منتهى الجدية، والمعالجة تبدأ اليوم وليس غدا، ولكن من خلال رؤية متوازنة منصفة وعبر خطاب واضح واتصال فعَّال، يقنع الناس، ويخرجهم من حالة البلبلة وعدم اليقين.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها