النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 10905 السبت 16 فبراير 2019 الموافق 11 جمادى الثاني 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    4:55AM
  • الظهر
    11:52AM
  • العصر
    3:06AM
  • المغرب
    5:31AM
  • العشاء
    7:01AM

كتاب الايام

هواجس في الديمقراطية

رابط مختصر
العدد 10527 السبت 3 فبراير 2018 الموافق 17 جمادى الاول 1439

لا تتحقق الديمقراطية بقرار سياسي من حزب أو دولة أو شعب. كل هؤلاء لا يستطيعون تحقيق الديمقراطية أو فرضها، فهي تغيير يشمل البنية المعرفية والفكرية والثقافية للشعوب. وهذه البنية لا تنجز في فترة زمنية قصيرة. لا تستطيع تغيير عقول الناس في سنوات قليلة، ولا في عقود قليلة، فهي مبنية على قاعدة متينة عميقة ترسبت في وجدان وعقول الناس منذ قرون. 

وكنا نعتقد في الستينات والسبعينات من القرن الماضي مع الفكر اليساري السائد في ذلك الوقت أن التغيير السريع الجذري للمجتمعات ممكن، وهو الحل الأفضل لانتشال هذه المجتمعات من التكلس والجمود. وانتشر في ذلك الوقت شعار حرق المراحل الذي أعجبنا فيه كثيرًا، مما يعني الاستغناء عن التدرج والانتقال السريع من بنية مجتمعية الى أخرى في فترة زمنية قصيرة، وهذا هو الطريق الأنسب للتقدم! ووجدنا بناءً عليه أن الفكر الليبرالي يكرس الثبات، فهو فكر بورجوازي تخدع به الرأسمالية الجماهير. وكان شعار الثورة والتغيير الجذري متداولاً ورائجًا له بريق أخاذ، وكان لكلمة الثورة وقع رائع. 

وفِي ذلك الوقت اعتبرنا الاصلاح هو الوجه الآخر لليبرالية التي تعطل مشروع الثورة والتغيير الجذري، وترمم بيتًا قديمًا آيلاً للسقوط، بدل هدم البيت، وبناء منزل جديد على أنقاضه! وماذا حدث بعد ذلك؟ تتالت الانقلابات العسكرية، فهي الأسرع وتحدث بين ليلة وضحاها، كنا نعتقد أن تغيير المجتمعات مثل سلق البيض، وما أن يتغير الحكم من الأعلى حتى تفتح أمامنا كل أبواب التقدم، فماذا كان حصاد الانقلابات العسكرية والثورات؟ أنظمة أخرى استبدلت الملكية الشمولية بالجمهورية الشمولية، وانتقلنا من دولة فاسدة الى أخرى أكثر فسادًا، وفي كلا النظامين كان حكم الفرد الواحد. هذا ما حدث في مصر وسوريا والعراق وليبيا والجزائر، ودول أمريكا اللاتينية وأفريقيا. 

كان النموذج الأمثل للأنظمة الثورية في القارات الثلاث يتمثل في النظام السوفيتي والصيني، نظام الحزب الواحد. وقد تجذرت فينا هذه القناعات، وصاحبتنا حتى بعد فشل الثورات جميعها في القارات الثلاث التي تشكل دول العالم الثالث، كما فشلت في الاتحاد السوفيتي ودول أوروبا الشرقية. 

في ذلك الوقت لم تكن العدالة واضحة لنا، وكانت الحرية غامضة وفضفاضة، وكانت فكرة الحزب الواحد هي السائدة عند كل التوجهات، باتباع النموذج السوفيتي والصيني، وكانت الأحزاب التقدمية تسعى إلى تغيير (الجذري) لتستقر هي في رأس السلطة بنظام الحزب الواحد حسب المثال والنموذج الأعلى في موسكو وبكين، بمعنى آخر كان الكل يغرّد خارج الديمقراطية التي من شروطها الأساسية التعددية. 

تعرفنا على الديمقراطية بشكل عام أوضح مع انهيار المنظومة الاشتراكية التي ألغت النظام الشيوعي واستبدلته بالنظام الرأسمالي الغربي. بدأ من التسعينات (وهو وقت قريب) بدأنا نتعرف على الديمقراطية منهجًا ناجحًا في التجربة الغربية. تأكدنا في الوطن العربي أن النموذج الأفضل للتقدم هو النموذج الغربي، لكننا لم نكن نعرف طبيعة هذا النموذج الذي ينبني على التغيير الثقافي والفكري أولاً، فعدنا إلى (سلق) الديمقراطية تأثرًا بموروثنا الثقافي القديم، فأردناها كاملة كما هي في الغرب، متجاهلين الفارق الثقافي والحضاري بيننا وبين الغرب. وعدنا إلى (نحرق المراحل) من جديد ونريد الحل (الجذري). نحن لم نتجاوز ربع القرن منذ بدأنا نتعرف على الديمقراطية، وهي فترة قصيرة لا تكفي لفهمها، والتمرس بها واكتساب خبرتها والتشبع بثقافتها. 

من جانب آخر، فإن انعدام الثقة بين السلطة والمعارضة هو سبب آخر يقودنا إلى الشكوك في نوايا السلطة، نحن لا نصدق أن السلطة التي تماطل منذ فترة طويلة تكون صادقة في نواياها هذه المرة، متجاهلين أو جاهلين أن السلطة لا تظل ثابتة، فهي تتغير أيضا كما تتغير المعارضة، فلا شيء في الحياة ثابت الى الأبد و(دوام الحال من المحال). بعض اليسار مازال يعتقد أن التوجه الديمقراطي عندنا شكلي أو ظاهرة صوتية، بسبب اعتقاد قديم راسخ لديه أن السلطة لا تتغير، وهي تجدد أشكالها لا غير، فيما كل سلطة قابلة للتغيير تحت ضغط الظروف الجديدة، إن لم يكن عن قناعة، فعن رغبة في الحفاظ على بقائها ووجودها، وفي حالات أفضل فالسلطة الحكيمة تذهب عن قناعة الى التغيير بوازع التناغم مع التطور الذي هو سنة الحياة، واستجابة لرغبات الحراك الشعبي وتطلعاته. 

العالم اليومَ يشهد مدّا ديمقراطيًا كاسحًا يأتي عاصفًا من كل الجهات، والتطور النوعي في الاتصالات والأفكار لا يسمح بثبات الأنظمة التقليدية. لم تكن حقوق الانسان مدرجة على البرامج الانتخابية في الغرب، ولم تكن الدول الأكثر قدرة وفعالية في العالم تهتم بهذه الحقوق، وهي -هذه الدول- تشكل ضغطًا خارجيًا من الصعب تجنبه، ولَم يكن الوعي المجتمعي الداخلي بهذه الدرجة اللافتة. انها الثورة المعرفية، وانفتاح العالم على بعضه بعضا، وانتشار ثقافة الديمقراطية، وللأسباب نفسها فالأنظمة الآن تفهم -أكثر من أي وقت مضى- أنها أمام خيارين؛ اما الاصلاح أو مواجهة قلاقل سياسية فادحة تخسر فيها جميع الأطراف، لا شيء في الحياة يبقى كما كان. 

وهذه المتغيرات تدفعنا نحن إلى التغيّر، وان لم نتغير سنجد أنفسنا خارج المشهد نلوك أحلامنا الرومانسية ونتحسر. لم تعد للثورة اليومَ بريقًا أخاذًا كما كانت، بعد خيبة الربيع العربي، والظروف والأقدار رسمت خرائط جديدة يجب أن نعرف بانتباه شديد كيف نسير فيها. 

يبقى الصعود الى الحرية والعدالة لولبيًا، والطريق الى التقدم متعرجًا.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها