النسخة الورقية
العدد 11000 الأربعاء 22 مايو 2019 الموافق 17 رمضان 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    3:18AM
  • الظهر
    11:34AM
  • العصر
    3:02PM
  • المغرب
    6:21PM
  • العشاء
    7:51PM

كتاب الايام

المسؤولية المجتمعية «2»

رابط مختصر
العدد 10524 الأربعاء 31 يناير 2018 الموافق 14 جمادى الاول 1439

 مقالي المنشور يوم الأربعاء الماضي فتح شهيتي لاسترسل في البوح بما تمليه عليّ مسؤوليتي المجتمعية بهدف تسليط الضوء على بعضٍ من القضايا المجتمعية التي ينبغي أن نلتفت إليها مجتمعًا ودولة، ونعيرها الانتباه الكافي، وننشغل بتناولها في كل حين بالاهتمام اللازم؛ ذلك أنه لن يفيدنا ترك الأمور تسير على عواهنها. ينبغي علينا التصدي لكل ما هو متوقع أن يخلق لنا العثرات ويسبب المشكلات التي وإن بدت اليوم صغيرة فإنها مع الأيام قد تكبر. فنحن مجتمع، كما كل الأوقات التي مضت، ينزع أفراده إلى بعضهم البعض لكي تدار الحياة بما ينسجم مع إرثنا الاجتماعي الثر، هذا الإرث الذي أرسى دعائمه الأجداد، وحافظ عليه الآباء، ونحن علينا واجب البناء عليه ليبقى خالدًا ما بقيت الحياة تدب فيه. 

 وإذا تحدثت في مقال يوم الأربعاء الماضي عن مسؤوليتي المجتمعية المواطنية والتي هي، بالتأكيد، مسؤولية كل مواطن، فيما يخص الانتخابات النيابية التي ستجرى في هذه السنة وبينت ما ينبغي على المواطن الناخب مراعاته في مرشحه إلى مجلس النواب في المرة القادمة وغيرها من المواعيد الانتخابية القادمة، فإنني في مقال هذا اليوم، ويمكن أن يكون ذلك في مقالات لاحقة، سأنحو منحى آخر وأتحدث في بعض القضايا المختارة التي قد يكون من بينها الحديث عن شخصيات فاعلة في مجتمعنا أو في أماكن عملها قد يكون شيء من الغبن قد طالهم رغم الخدمات العظيمة التي أسدوها والأدوار الإيجابية الفاعلة التي قاموا بها. وإيمانًا مني بأن أكثر الأخطاء التي تصل إلى حدود الخطيئة هي من صنع بعض الأفراد ممن هم متورطون في السلوك الطائفي، وهذه الأخطاء والخطايا لا تعود إلى إخلالات تشريعية مطلقًا؛ فالدولة تاريخيًا نسجت علاقاتها بالأفراد على منوال علاقة المكونات الاجتماعية بعضها ببعض. ولهذا وجدت أن من الواجب عليّ تسليط الضوء على هذه القضايا لنفض شيء من غبار الغبن عن هؤلاء الأشخاص المغبونين بهدف إنصافهم.

 الحديث هنا لن يجري بتناول أسماء موظفين في الدولة بقدر بنائه على الإشارة من بعيد إلى وظائف في صيغة العموم. والحقيقة أن تناولي هذا الموضوع اليوم بالذات هو أن وظيفتي السابقة والأخيرة كانت تعوقني عن الكتابة في هذا الشأن؛ إذ أنني كنت أخشى أن يُفهم منه أنني أشكو وضعي الوظيفي، أو أني أطمح إلى ترقية رغم أن الطموح حق مشروع لكل موظف يأنس في نفسه الكفاءة والأهلية للاضطلاع بأسمى الوظائف وجليل الأدوار، أما اليوم وقد تحررت من عبء الوظيفة التي خدمت فيها ما يقارب العقود الثلاثة، فإني أجد من مسؤوليتي المواطنية أن نتحاور في هذا الموضوع للوصول إلى قناعة باتة أن الوظيفة المحددة تحتاج إلى الكفاءة قبل أي شيء آخر مع التسليم، بطبيعة الحال، بأن الوطنية والانتماء والولاء لها حساباتها التي لا ينبغي أن نغفلها بأي حال من الأحوال. فقد حدثني صديق، وأنا هنا أسوق مثالًا واحدًا ليس إلا، أنه وجد على مدى خدمته في وزارة من الوزارات شيئًا من العجب، بحيث يتم تجاهل بعض من الكفاءات عينك عينك مشبهًا نفسه بـ«الكوبري» الذي تعبر من فوقه كل الترقيات وهو في محله ثابت مع أنه وبشهادة كل زملائه على مستوى عالٍ من الكفاءة والخبرة والتعليم.

 سبق لكل منا أن سأل موظفًا ما أو أن موظفا سأله برغبة التعرف على تطوره في مساره الوظيفي هذا السؤال: «هل تمت ترقيتك يا فلان أم أنك ما زلت على نفس الوظيفة؟» فإذا لم تتم ترقيته يجيب بـ«لا» معقبا على «لائه» بهذا التعليق «ما يرقونه..! الترقيات حق غيرنه واحنه علينا نكرف بس». ثم إن هناك شيئا يجب التوقف عنده وهو أنه عندما يأتي وقت استحقاق الترقيات الوظيفية تتفاجأ بأن هذه الكفاءات تستثنى، ويؤتى بأشخاص آخرين قد يكون بعضهم بعيدا جدًا عن مكان العمل موضوع الترقية أكان قطاعًا أو إدارةً أو قسمًا، وفي ذلك لا يقع اللوم دائمًا على القيادات العليا في الوزارة وإنما المأخذ يقع على القيادة الوسطى التي لا تستطيع اكتشاف أصحاب الكفاءات والمتميزين من الموظفين، أو لا تُقدر الكفاءات التي تزخر بها الإدارة حق قدرها، فتقدم أحيانا بعض المتملقين وتتغافل عن المجدين. وهنا ينبغي الإشارة إلى أن بعض القيادات تستكثر، لسبب ما غير معروف، على الموظفين أن يحلوا محلهم بعد تقاعدهم أو انتقالهم إلى وظيفة أخرى اعتقادًا منهم أنهم أشخاص استثنائيون لا يتكررون فيتركون عملية إحلال البديل إلى العشوائية والمزاجية. كان هذا ملخص الشكوى التي جأر بها محدثي، وأنا أثني على ما قال؛ لأنني صادفت على مدى عقود خدمتي الثلاثة مثل هؤلاء الأشخاص. فهناك كثير من الوظائف القيادية سُلِمت لمن هم أقل كفاءة من موظفين على قدر عال من الكفاءة. 

 وإضافتي هنا على المثال الذي ساقه محدثي هو أن هناك من أعرف، وغيري ممن كانوا يعملون معي، من الموظفين الذين إذا ما طبقت في تقييم أدائهم مختلف المعايير محليها ودوليها فلن تجد من يفوقهم أهلية وكفاءة وذكاء عمليًا واتصاليًا وتمكنًا من مختلف ملفات العمل، ولن تجد من هو أحق منهم بتحمل مسؤولية إدارة مكان العمل، ولكنك مع ذلك تتعجب من أن ذلك لم يحصل، وإذا ما فتشت عن السبب فإنك ستجد أن السبب ينحصر في «المزاجية» فحسب. خلاصة القول إن سلوكًا من هذا القبيل يورث الأفراد الكفوءين المجتهدين غبنًا أو شعورًا بالغبن قد ينعكس بالسلب على أجواء العمل، ويبني عقلية سلبية لدى كل موظف جديد؛ إذ سيقبر طموحه في أن يرتقي سلم الوظيفة بفضل كفاءته وتمكنه واجتهاده وعمله لأن أمام ناظريه مثال حي على الغبن الإداري. ونكرر أن ذلك يبقى سلوك أفراد، ولكن هذا السلوك الفردي يسدد رمية قاتلة إلى المجتمع، وإلى إدارات حساسة في نسيج سياسات الدولة ومقاصدها الوطنية.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها