النسخة الورقية
العدد 11148 الخميس 17 أكتوبر 2019 الموافق 17 صفر 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    4:18AM
  • الظهر
    11:23AM
  • العصر
    2:41PM
  • المغرب
    5:08PM
  • العشاء
    6:38PM

كتاب الايام

الحقائق الملتبسة بالأكاذيب

صراع الحضارات.. صراع فبركة الأوهام

رابط مختصر
العدد 10524 الأربعاء 31 يناير 2018 الموافق 14 جمادى الاول 1439

ارتبطت فكرة صراع الحضارات -التي نجد لها ترجمات سياسية في خطاب الأحزاب اليمينة في الولايات المتحدة الامريكية وفي عدد من البلدان الأوروبية- بالكاتب الأمريكي هنتنغتون منذ بداية تسعينيات القرن الماضي. كما بات تهذه الفكرة تجد لها اليوم أصداء وترجمات عملية في المواقف السياسية الرسمية لعدد من الدول والشخصيات السياسية المعروفة على الساحة الدولية. 

والحقيقة أن ظهور وانتشار مقولة «صدام الحضارات» على يد صموئيل هنتنغتون لا تعود إلى قوتها أو وجاهتها، ولا إلى حجيتها الفكرية والمعرفية أو إلى تماسك بنائها النظري وتأصيلها الفلسفي، وإنما يعود إلى السياق السياسي الذي ظهرت فيه في بداية تسعينيات القرن الماضي، المتزامن مع سقوط الأنظمة الشمولية، وإلى القوة التي أكتسبها اليمين المتطرف في تلك الفترة.

إن مقولة (صدام الحضارات) من حيث مستواها الفكري والمعرفي لا تتناسب ومكانة هنتنغتون العلمية، مما يشي بأنها قد كتبت باستعجال كبير وبقصدية واضحة أو حتى بتكليف مباشر من الإدارة الأمريكية آنذاك. فالأفكار مكررة والشواهد متداخلة في غير نظام والتحليل مضطرب والأمثلة تعّج بالمغالطات. 

وقد نبه عدد من الفكرين إلى عيوب هذه النظرية، مثل التعميم واصطناع الغموض، والقفز من قضية إلى أخرى والمغالطة. إذ ينتهي هنتنغتون إلى أن الصراع القادم في العالم لن يكون أيديولوجياً أو اقتصاديا باعتبار أن هذين الصراعين قد انتهيا بانهيار المعسكر الاشتراكي. وأن هذا الصراع سيكون حضارياً، والصراعات الرئيسية في السياسة الدولية ستنشب بين مجموعة من الحضارات المختلفة وستكون حدود التوتر الفاصلة بين تلك الحضارات هي خطوط المعارك الكبرى في المستقبل

ويخلص إلى أن الصراع المستقبلي سيكون بين ثلاث حضارات رئيسية الحضارة الإسلامية والحضارة الصينية والحضارة الغربية. ومع أن أرنولد توينبي مؤرخ الحضارات الشهير قد شخَّص 8 حضارات ما تزال قائمة الى الآن وحية وفاعلة هي (الحضارة الغربية، الكونفوشية، واليابانية، والإسلامية، الهندية، السلافية والأرثوذوكسية والأمريكية اللاتينية، والإفريقية). فإن هنتجنتنون اختصرها إلى 3 حضارات من دون أي مبرر علمي او أساس معرفي او واقعي، مستبعدا بشكل تعسفي غير مبرر استبعاد كافة الحضارات في صراعها مع الغرب والإبقاء على الحضارتين الصينية والإسلامية فقط. انطلاقًا من الادعاء بأن اليابان قد أصبحت جزءًا من الغرب سياسياً وتكنولوجياً، والشعوب السلافية هي جزء من أوروبا وهي تقترب من الغرب وترغب في الاندماج فيه مثلها مثل أمريكا اللاتينية. أما الهند فهي تتراجع عن تراث نهرو وتعود إلى الهندوسية وستعاني من التمزق الداخلي بسبب وجود طوائف وأقليات متناحرة مما يجعلها خارج دائرة الصراع مع الغرب لانشغالها بالصراع الداخلي. أما أفريقيا فلا يدخلها الكاتب في الحساب أصلا وكأنها غير موجودة. وبذلك لا يبقي إلاّ على الحضارتين الصينية والإسلامية. وهو يعتقد أن هاتين الحضارتين هما حضارتان طامحتان وتسعيان إلى التحديث والعصرنة، ولكنهما ترفضان النموذج الغربي. وهكذا سيكون الصراع بينهما وبين الغرب حتميا.

تلك هي خلاصة هذه النظرية المتهافتة القائمة على خلط غريب بين أسس التصنيف، فتارة يعتمد الدين وتارة يعتمد الهوية الثقافية وتارة يعتمد ما أسماه بالوعي الحضاري، ولكنه في النهاية يلجأ إلى عملية ترقيع فكري متعدد لنظريته، ليصل إلى النتيجة التي أراد الوصول إليها، وهي وضع الحضارة الصينية والإسلامية كحضارتين معاديتين للحضارة الغربية. والواقع أن هذا التصنيف على أساس الحضارات هو تصنيف زائف ومضلل تماماً، فنحن نعلم أن هناك صراعاً داخل الحضارة الواحدة، أهم وأعمق من كل الصراعات المدعاة وهو الصراع الاجتماعي-الاقتصادي، والذي شكل التاريخ الحديث بشكل رئيسي. وكذلك الصراع الأيديولوجي داخل الحضارة الواحدة، وأن كافة الحضارات شهدت داخلها صراعات كثيرة إما طبقية وإما أيديولوجية، وبذلك يحاول هنتنغتون ايهامنا بأن الصراع بين الحضارات سيحل محل الصراع الأيديولوجي وغيره من أشكال الصراعات الأخرى، وأن الصراع العالمي سيكون بين الغرب من ناحية، والحضارتين الكونفوشية والإسلامية من جانب آخر. وهذا كما هو واضح من التاريخ المعاصر غير صحيح وانما هو مجرد وهم. ولذلك فإن جوهر هذه النظرية المتهافتة يتمثل فيما يقترحه صاحبها على قادة السياسة الغربية، وهو باختصار: «يتوجب على الغرب أن يعمل على تحقيق أكبر قدر من التعاون والوحدة بين مكونات حضارته الأوروبية الأمريكية وأن يعمل في الوقت نفسه على إدماج أمريكا اللاتينية وأوروبا الشرقية في حضارته وأن يعمل على تعزيز التعاون مع روسيا واليابان وعدم الإقدام على تخفيض الأسلحة حفاظاً على التفوق العسكري على الرابطة الكونفوشية والإسلامية والتي يجب وضع حدود لتوسعها العسكري مع استغلال الخلافات بين الدول المكونة لهذه الرابطة، مع السعي إلى تحجيم وقهر هذه الحضارات بالسعي إلى احتوائها عن طريق اختراقها من الداخل ومن الخارج»..

وقد وصف الدكتور محمد عابد الجابري هذه النظرية بكونها «سخيفة وسطحية»، مؤكداً بأن الصراع الطبقي الاقتصادي الاجتماعي هو الذي يهيمن على مستقبل العالم. كما سبق للدكتور محمد جابر الانصاري طرح ذات الموضوع منذ العام 1988، تحت عنوان: نهاية العصر الأبيض، حيث أكد أنه لن تكون جميع القوى الرئيسة في قمة التوازن العالمي منتمية إلى الجنس الأوربي الأبيض، فمنذ تآكل الإمبراطورية العثمانية، والإمبراطورية الصينية في القرن السابع عشر، لم يبق من قوى رئيسه فاعلة ومؤثرة على المسرح الدولي غير تلك القوى الأوربية البيضاء وحضارتها الغربية. ولذلك فإن القرن الحادي والعشرين هو قرن تعددية القوى البشرية وتوازنها، ونهاية عصر سيادة الرجل الأبيض، ونرجسيته الحضارية الغربية. وأن الصراع في التاريخ والعالم هو صراع مصالح بالدرجة الأولى، أما الحضارات ذاتها، فلا تتصادم استراتيجياً وسياسياً، وإنما هي قصة تفاعل تاريخي طويل الأمد بآليات لا تخضع لمنطق الصراع السياسي وحده. لأن البشر لا يتقاتلون لأسباب حضارية، وإنما لأسباب مصلحية بالدرجة الأولى. كما أن الأديان والعقائد تبقى في نفوس المؤمنين بها، وكذلك الثقافات تستمر على ألسنة الناطقين بلغاتها ـ أما الحضارات في نسيجها المتكامل فإنها تفقد وحدتها العضوية، وبالتالي لا يمكن اعتبارها كائناً حياً متنامياً، أما الإسلام والثقافة العربية، فهي قوى حية بالتأكيد، لكن من منظور الدين والثقافة لا من منظور الحضارة، فلا حضارة حية وقائمة بشكل متكامل اليوم إلا الحضارة الحديثة. فاليابان والصين تنـدرجان اليوم في إطار هذه الحضارة، ولذلك لحقتا بمنتدى الأقوياء في العالم. وما لم يستوعب الوعي العربي الإسلامي أن هذه حضارة عالمية حديثة ساهم في جذورها المسلمون من قبل، وهم مدعوون للإسهام فيها، وتصحيح مسارها من جديد.

 

همس

 

عندما يتوهج المعنى

وتفتح المتاهة بوابتها الأولى

تختفي الثرثرة الليلية العابرة

يعود القلب إلى عزلته المعهودة.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها