النسخة الورقية
العدد 11090 الثلاثاء 20 أغسطس 2019 الموافق 19 ذو الحجة 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    3:48AM
  • الظهر
    11:41AM
  • العصر
    3:12PM
  • المغرب
    6:11PM
  • العشاء
    7:41PM

كتاب الايام

بالقلم الرصاص

غضب الأسعار

رابط مختصر
العدد 10512 الجمعة 19 يناير 2018 الموافق 11 جمادى الاول 1439

 لم يكنْ مستغربًا أن يصل منسوب الغضب الناتج عن قرار الحكومة رفع أسعار البنزين إلى هذا المستوى الذي مازالت أصداء هواجسه ومتاعبه واضحة على المواطنين ومسيطرة على تفكيرهم، وأن يكون مصحوبًا بكل هذا الصخب المتعدد المظاهر على وسائل التواصل الاجتماعي. السبب في ذلك، في تقديري، هو أن القرار كان مفاجئًا من حيث التوقيت.. مداهمًا المواطنين وهم في عز انشغالاتهم بترتيب أوضاعهم الاقتصادية لكي تتلاءم مع الارتفاع الصاروخي لمعظم أسعار السلع اليومية الضرورية، ويتدارسون كيف لهم أن يتعاملوا مع الضريبة الانتقائية وضريبة القيمة المضافة بوصفهما زائرين جديدين على الحياة الاقتصادية البحرينية واللذين سيكون لهما، رغم إيجابيته لميزانية الدولة، الأثر السلبي الكبير المباشر في حياة المواطنين الاقتصادية المضغوطة وانسحابات هذه الضغوطات على الحياة الاجتماعية.

 ولن ننسى أن نضيف إلى ما تقدم السلبية الفاجعة لممثلي الشعب المنتخبين في تعاملهم مع الصدمات الاقتصادية التي تؤثر مباشرة في المجتمع البحريني. هذه السلبية التي أفصح عنها النواب أنفسهم عندما بينوا أن برنامج عمل الحكومة يسير في وادٍ وهم في وادٍ آخر، وأنهم لا يدركون ما الذي صوتوا عليه، وقد بيّن هذه اللامبالاة وزير شؤون مجلسي الشورى والنواب سعادة الوزير غانم البوعينين في مداخلته بمجلس النواب.

 غضب المواطنين، وخصوصًا الفئات ذات الدخل المحدود له ما يبرره، خصوصًا إذا ما عرفنا أن المواطن البحريني ظل ردحًا من الزمن منتظرًا تعديلًا في أوضاعه المعيشية من خلال زيادة عامة في المرتبات والأجور، فإذا به يفاجأ بنقيض ما كان يحلم به، تعديل في دعم الحكومة للمحروقات سيكون حتما سببا لارتفاع أسعار مواد أخرى لم تعرف منذ مدة غير الارتفاع قانونًا. صحيح أن الواقع الاقتصادي الذي تواجهه الدولة اليوم عنيد، وأن الكل يُدرك أن ميزانية الدولة في حاجة إلى رافد ينعشها ليكون في وسعها أن تغطي المصاريف وميزان النفقات بعد انخفاض أسعار النفظ، وهو المصدر الرئيس الذي تعتمد عليه هذه الميزانية، والمسألة كما هو بيّن من خلال هذا التساؤل أن موازنات الحكومة وجيب المواطن أمران حيويان ومترابطان، وإذا كان من حق الحكومة علينا أن نتفهم قراراتها، فمن حقنا عليها أن تُمهد لهذه القرارات، وأن تجعلنا مستعدين للتأقلم مع هذا الوضع الاقتصادي الجديد الذي سيضاعف أعباء الأسر البحرينية، وخاصة منها الأسر ذات الدخل المحدود.

 وقبل الشروع في الحديث عن الضرائب وعن موقف المواطنين إزاءها، ينبغي أن نشير إلى أنه من المؤكد أن أي حكومة في العالم عندما تشح مواردها أو تعصف بهذه الموارد آليات السوق فتتهاوى الأسعار لأي سبب من الأسباب إلى ما دون المؤشر المتوقع مثلما حصل مع البترول في الأسواق العالمية - وهو كما نعلم الرافد الأساسي في ميزانيات دول مجلس التعاون، والبحرين واحدة منها بلا شك، مع الأخذ في الاعتبار الفارق في حجم إنتاج هذه السلعة الاستراتيجية في كل دولة من دول مجلس التعاون - وتضيق أمامها الخيارات، تبحث عن أبواب ما تفتح على ميزانيتها فإنها ستتوجه إلى الداخل عبر فرض الضرائب وزيادة رسوم الخدمات الحكومية وما إلى ذلك من وسائل وأدوات. وحكومة البحرين ليست استثناء من هذا الخيار الجبري. 

 الضريبتان اللتان فرضتهما الحكومة وما رافقهما من نسب مئوية بداية من هذا العام ستكون من المسلمات التي لا تقبل الجدال وعلى المواطنين في دول مجلس التعاون تقبل هذه الحقيقة بصفتها واجبًا مواطنيًا وإن كانت مرة. ومن مقتضيات أداء هذا الواجب، كما أسلفنا، هو التسليم الحكومي بأن هذا الواجب يترتب عليه حق لدافع هذه الضرائب. هذا الحق هو أن تُعلِمني بذلك حتى يجري شيئًا من الحوار العام، أو قل تفاوض حول نسبة الضريبة وأنواع السلع التي ستخضع للضريبة ويكون ذلك من خلال مجلس النواب رغم علمنا كمواطنين بأن ممثلينا في مجلس النواب، وهم من يفترض أننا انتخبناهم بمحض إرادة حرة! لن يقدموا أو يؤخروا في ذلك شيئًا. ولعل جلسة يوم الثلاثاء الماضي، وما تخللها من صراخ وجلبة وتسرب بعض النواب من الجلسة خشية التصويت على وقف زيادة أسعار البنزين، كانت مثالًا على مستوى تناول القضية. دافع الضرائب يملك حقًا في أن يسائل الحكومة أين يذهب ما تستقطعه الدولة منه من خلال ممثليه في البرلمان؟ الحكومة تأخذ مني ومن أبناء الوطن وهذا يسمى حقًا للحكومة وواجبا عليّ كمواطن تفرضه المواطنة. لكن هذا الواجب عليّ يبني لي لدى الحكومة حقًا. أي أن من حقي أن أحاسب من يأخذ مني! هذا من حيث مبدأ المواطنة.

 نقدر أن لا سبيل لرفد ميزانية الدولة إلا بفرض الضرائب ورفع الدعومات عن بعض السلع المدعومة، إلى جانب مساهمة كافة الهيئات والمؤسسات الحكومية، غير أن على الدولة أن تضع الخطط والبدائل الاقتصادية التي تعوض المواطنين من خلال رفع علاوات الغلاء والسلع والخدمات المدعومة، مع التفكير جديًا في زيادة المرتبات والأجور حتى ينعم المواطن بالاستقرار الاقتصادي، هذا فضلا عن العمل على ترسيخ عقلية جديدة لدى المواطنين يتخلصون من خلالها من أوهام النموذج الاقتصادي الريعي الذي أورث أثقالًا ناءت بحملها الحكومة زمنا، وخلقت لدى الناس عادات هدر ندفع اليوم أكلافها.

 إن ثقافة استهلاكية جديدة تتواكب مع المتغيرات الاقتصادية ينبغي أن تكرس في المجتمع البحريني لتعزيز روح المواطنة لدى أفراد المجتمع البحريني. وفي ظني أن أي قرار حكومي يمس حياة المواطنين المعيشية مسًا مباشرًا أو غير مباشر، ينبغي أن يكون مدروسًا بشكل وافي حتى لا يُستغل من قبل فئات تتصيد في الماء العكر. ولك أن تتصور قارئي الكريم أن المجتمع البحريني، في وقت انتفت فيه الضرائب ولم ترتفع الرسوم والأسعار في استقرار نسبي والدعومات لم تمس والخدمات الحكومية ميسرة، لم يسلم من التآمر عليه ووصلت ذروة هذا التآمر في أحداث 2011، عندما استطاعب الجماعات الطائفية التغرير بفئة من الناس لتتلاعب بمصير المجتمع بأكمله. لهذا لا ينبغي أن نعطي الفرصة مرة أخرى لهؤلاء أن يدخلوا من باب حاجات المواطنين الاقتصادية.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها