النسخة الورقية
العدد 11146 الثلاثاء 15 أكتوبر 2019 الموافق 16 صفر 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    4:17AM
  • الظهر
    11:24AM
  • العصر
    2:42PM
  • المغرب
    5:10PM
  • العشاء
    6:40PM

كتاب الايام

«يناير» الشهر المرهق..

بين الفقير والبورجوازي الصغير جدًا!

رابط مختصر
العدد 10510 الأربعاء 17 يناير 2018 الموافق 30 ربيع الآخر 1439

قال الصديق: لماذا يرتبط شهر يناير من كل عام بالبدايات الجديدة وبالفرح والاعياد في البلدان الغربية، في حين يرتبط في بلاد العرب بالزيادات في الأسعار والضرائب وتدهور الأحوال الاجتماعية لملايين العرب، وما يفضي اليه كل ذلك من اضطرابات وحتى انتفاضات شعبية في عدد غير قليل من هذه البلدان؟

قلت: السؤال يحمل في طياته جوابه، وذلك لارتباط هذا الشهر العظيم بالسنة المالية الجديدة، وبالإعلان عن الموازنات الجديدة، وما تستدعيه من إجراءات تصحيحية صعبة - خاصة في ظل انخرام التوازنات المالية وشح الموارد والزيادة السكانية والارتباك في خطط التنمية-وهي إجراءات غالبًا ما تتسبب في المزيد من تدهور المقدرة الشرائية وتراجع مستوى الخدمات العامة والمزيد من الضغوط الأخرى مثل تنامي البطالة. ولعل هذا ما يفسر ما تشهده عدد من البلدان من احتجاجات عارمة، تعبر عن حالة من الغضب العاجز بين الأوساط الفقيرة بوجه خاص والعاطلين عن العمل بوجه أخص، وحتى بين شرائح من البورجوازية الصغيرة (أو ما يسمى مجازا بالطبقة الوسطى) والتي بدأت - في ظل تآكل المكتسبات وصعوبة الحياة - تلتحق بشكل سريع بالطبقات المرهقة اجتماعيًا واقتصاديًا..

قال: كثيرًا ما تستخدمون عبارات من نوع الفقراء وحافة الفقر والبورجوازية الصغيرة، فتخلطون بين أمور حتى كدنا لا نجد معيارًا واضحًا نستند إليه في تصنيف الاوضاع؟

قلت: وفقًا لتعريف خبراء البنك الدولي، فإن عتبة الفقر العالمي تقدر بدخل يومي يقل عن دولارين تقريبًا، باحتساب خط الفقر العالمي على أساس خطوط الفقر الوطنية لكل بلد. هذا بكل بساطة، اذا اردت تعريف الخبراء!

قال: وفقًا لهذا المعيار، فإننا بخير والحمد لله، بل قد يكون أغلبنا من الأغنياء؟!! مادام كل من يحصل على دخل يزيد عن دولارين في اليوم بالمعيار الدولي فهو ليس ضمن خط الفقر، فلماذا اشعر انني فقير إذن؟!!

قلت: موضوع الدولارين هو من أسخف المعايير في الدنيا، إذا ما أخذناه مجردا عن السياق الاجتماعي - الاقتصادي، وعن البنية الاجتماعية الاقتصادية. ففي بلدان، مثل الولايات المتحدة الأمريكية وهي الدولة العظمى في العالم، فإن نحو عشرين مليونًا من المواطنين لا يمتلكون تأمينًا صحيًا على سبيل المثال. ولذلك يسقط معيار الدولارين في الماء سقوطًا مدويًا، وفي البلدان التي تؤمن فيها الدولة حاجات المواطنين الأساسية من صحة وتعليم وسكن، فإن معيار الدولارين يصبح معقولًا إذا ما ارتبط بالفرد وليس بالأسرة، وإن كان قابلًا للنقاش ومحل جدل وخلاف. كذلك تعريف الدول الفقيرة بأنها تلك الدول التي تعاني من مستويات منخفضة من التعليم والرعاية الصحية، ونقص المياه الصالحة للاستهلاك البشري والصرف الصحي وانخفاض مستوي الغذاء الصحي، كمًا أو نوعًا، لكل أفراد المجتمع ويضاف إلى ذلك معاناتها من تدهور واستنزاف مستمر لمواردها الطبيعية، مع انخفاض مستوى الدخل وتدهور البيئة. وإذا ما اعتمدنا تعريف البنك الدولي للدول الفقيرة فهي تلك الدول التي ينخفض فيها دخل الفرد عن 600 دولار في السنة، وعددها 45 دولة معظمها في أفريقيا، منها 15 دولة يقل فيها متوسط دخل الفرد عن 300 دولار سنويًا، ويضيف برنامج الإنماء للأمم المتحدة معايير أخرى تعبر مباشرة عن مستوي رفاهية الإنسان ونوعية الحياة، بما من شأنه توسيع دائرة الفقر بمفهوم نوعية الحياة لتضم داخلها 70 دولة من دول العالم، أي هناك حوالي 45% من الفقراء يعيشون في مجتمعات غير منخفضة الدخل، أي هناك فقراء في بلاد الأغنياء، ونكتفي هنا بذكر أن 30 مليون فرد يعيشون تحـت خط الفقـر في الولايـات المتحـدة الأمريـكيـة فقط، بما نسبته 15% من عدد السكـان. ومن المؤشرات المضللة أيضا هو مؤشر معدل نصيب الفرد من الناتج المحلي الإجمالي، فهو لا يكشف عن نمط توزيع الدخل، كما لا يعكس حقيقة تأثيره على نوعية الحياة للبشر، فإذا أردنا رصد مستوى المعيشة، فلا بد أن نتبع مؤشرًا مركبًا من عدة عناصر، مثل الاستهلاك والسكن والتعليم والصحة، ومؤشر الأسعار، والحد الأدنى لمستوى المعيشة الذي ينبغي تأمينه لجميع شرائح المجتمع، من خلال تحديد سلة السلع والخدمات الضرورية لحياة عادية، والخدمات اللازمة للحياة العادية وغيرها من علامات الرفاهية بإبعادها المادية والمعنوية والبيئية والسياسية والأمنية وغيرها...

قال هازئًا: وفقًا لهذه المعايير فأنا بورجوازي صغير أم كبير؟؟!!

قلت: على الأرجح أنك بورجوازي صغير جدًا جدًا! فبالرغم من أن الانتماء الطبقي لا يتحدد من خلال الوظيفة التي يتولاها الشخص، بل استنادًا إلى موقعه في عملية الإنتاج، حيث لا تعبر الوظيفة بالضرورة عن الانتماء الطبقي، وإن كان لها دور في تحديد مستوى الدخل، فإن مصطلح الطبقة الوسطى أصبح مرادفًا للفئة الاجتماعية التي تقف بين الطبقة الفقيرة المحرومة، وبين طبقة الأغنياء. وهكذا فإن الحديث المبسط والمختزل حول ما يسمى بالطبقة الوسطى، بات يقتصر على متوسطي وكبار الموظفين في أغلب الأحيان، مضاف إليهم شرائح من صغار التجار وأصحاب الأعمال الخاصة الصغيرة، والمحدد هنا هو حجم الدخل، وليس الانتماء الطبقي بالمعنى العلمي للكلمة. فهذه الفئة أو الطبقة، وان كانت محظوظة نسبيًا بالقياس إلى الفئات المحرومة في المجتمع، فهي تعيش حاليًا حالة من القلق، وربما حتى الغضب بسبب وطأة الغلاء الفاحش واستثنائها من العديد من الامتيازات التي تقدمها الدولة، مثل الخدمة الإسكانية، حيث لا يحصل من كان دخله حول الألف دينار على هذه الخدمة مثلا، وعليه أن يلجأ إلى الاقتراض من البنوك التجارية ويرهن أكثر من 50% من راتبه لسنوات طويلة مرهقة، لتلاحقه الأقساط حتى بعد التقاعد إن أراد شراء أو بناء بيت متواضع، في ظل غول الغلاء وشح الموارد واستحالة الحصول على بيت بالاعتماد على الراتب فقط. وباختصار فإن الغلاء الفاحش قد أدى إلى تضرر شرائح واسعة من المجتمع، بمن في ذلك ما بات يطلق عليه الطبقة الوسطى. ولا شك أن انعدام التوازن الاجتماعي الذي يتجلى بالأساس في اتساع الهوة بين الطبقات من شأنه أن يؤثر سلبًا على التوازن الاجتماعي الذي هو أساس الاستقرار.

 

همس

الأرض تملؤها سماوات بيض

والأجنة وحزن يزول

وانعكاسي في مرآة البحر

كشرنقة في ذاكرة مرهقة.

قبلات فاترة في وقت يخبئني 

في زورق حديث العهد بالبحر...

في كل مرة أغرق...

يتسرب إلى فمي طعم كالملح.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها