النسخة الورقية
العدد 11092 الخميس 22 أغسطس 2019 الموافق 21 ذو الحجة 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    3:50AM
  • الظهر
    11:41AM
  • العصر
    3:11PM
  • المغرب
    6:08PM
  • العشاء
    7:38PM

كتاب الايام

حدث هذا في جامعة البنات!

رابط مختصر
العدد 10508 الإثنين 15 يناير 2018 الموافق 28 ربيع الآخر 1439

كان لابد من تأجيل الكتابة في الشأن السياسي هذه المرة لفداحة الموضوع من ناحيته الاخلاقية والاجتماعية والتربوية، فما حدث فعل مشين من مدير جامعة في السودان، حين هاج في حوش الجامعة ضد تظاهرة طلابية للبنات، منتهكاً بفحش حقوق المرأة السودانية، فقد كان سلوك العنف واضحاً دون حياء في زمن الهواتف الذكية، والأسوأ ان ردوده وإجاباته لا يمكن وصفها بأقل ما يمكن قوله في إنسان معني بالتربية، بأن يتمادى في غيه بإجابات نزقة لا يمكن ان تصدر من إنسان سوي. فهل نحن أمام ظاهرة طبيعية في يومنا ان نشهد مدير جامعة يلاحق الفتيات ويصفعهن بعد ان كان يمارس عليهن تفتيش ملابسهن؟ أشبه برجل شرطة او أمن سري. 

ما لا يمكن اليوم نكرانه هو تلك الصور والفيديوهات المنتشرة في وسائل التواصل الاجتماعي حتى بدا «كالمدير المهزلة» هذا اذا ما لجمنا الكلمات في حلقنا ولساننا عن سوء فعلته في حرم الجامعة. 

ذكرني بهياجه ورعونته بثيران المدن الاسبانية وهي تتراكض خلف الناس في أزقة بامبولينا، والثور الأهوج في قمة غضبه وعنفه لا يعرف في أي اتجاه يندفع، كان ينقصه قرنه الحاد لكي يغرزها في أجساد الطالبات بدلاً من يده العجوز المرتجفة التي أسقطت بقوتها بعضهن على الارض. فماذا وأين حدث هذا في السودان؟ وكيف ينبغي أن تنتهي تلك الحماقة الكبرى في حق السودان وشعبها؟! في حق المجتمع المعروف بدماثته وتسامحه وطيبته. فمن أين جاء هذا المدير «المبجل»!. 

تناقلت وسائل التواصل الاجتماعي مشهد مدير «جامعة الأحفاد للبنات» وهي جامعة خاصة بالبنات، ومؤسسها الشيخ بابكر بدري رائد تعليم البنات في السودان من أوائل القرن الماضي، غير ان مديرها الفظ قاسم بدري حمل صولجان التسلط والغطرسة والبطش في تلك الجامعة، ووجد ان النهج التربوي الذي يفهمه هو صفع البنات وركلهن بل ويبيح لنفسه حق التفتيش وتحسس أجسامهن في مجتمع من المفترض انه معني بالتقوى، فالمدير هو نتاج مرحلة «نظام الإنقاذ» الذي نجح في تدجين العديد من الناس وباتت مصالحهم مع ذلك النظام، يكون قاسم بدري أحدهم كنموذج جديد لمرحلة النفاق التعليمي والاكاديمي في السودان، فما عادت قيم العلم والمعرفة واحترام الانسان ذات أهمية بالنسبة له، فهو وحده من يصنع ناموسه وعالمه المستبد. 

لم يكتفِ بما فعل ولم تظهر آثار الندم في سحنته، فالانسان الجلف شخصية فظة متعالية فكل ما قاله «دي طريقتي والبحصل يحصل» هكذا بكل عنجهية «تجاوز محيطه» فهو لا يهمه ما يقال عنه في بلده، متناسياً ان الهاتف النقال بإمكانه ان ينقل الخبر خلال أقل من خمس دقائق مشهد الحدث الى أركان الدنيا الأربع، فشاب سوداني لديه صديق روسي في بلدة بسبيريا بإمكانه ان يتعرف على همجية ذلك المدير، بل وفي أقل من ذلك، فإن الشاب الروسي يستطيع ان يبعثه لصديق له في جنوب الارجنتين الأقرب للقطب الجنوبي، فيما ناس الامازون بإمكانهم معرفة الحدث بما يجري في غابات السودان، لكي يكتشفوا ان هناك ما زال فيها كائن غريب الأطوار والأطباع، يسمونه قاسم بدري، فقد أعصابه ومثاليته ومسؤوليته كمدير جامعة وأخذ يلاحق الطالبات ليصفعهن الواحدة تلو الأخرى وهن يتصارخن مذعورات. قاسم بدري «الزول» حكاية من زمن خارج كوننا، وعلينا ان نعيش مأساته كحقيقة صادمة لسودان الدماثة والطيبة والحساسية الانسانية. 

يواصل قاسم بدري كإنسان فاقد للإحساس: «لا يوجد ما يستوجب الاعتذار وما بعرف البت الضربتها، الفيديو صحيح وهي حاجة عادية مدرس عاقب تلميذته!!». ولنتخيل يعاقب تلميذته «البت» يا زول وهو ما يعرف من هي تلك البت، غير ان الفيديو أظهر انه يصفع أكثر من واحدة والبنات يولولن هائجات وغاضبات لتلك اللعنة التي هبطت عليهم في جامعة مؤسسها كان انساناً رائداً في «تعليم البنات». 

يا لصفاقة المدير حين يعتبر صفع الطالبات عملاً عادياً، وأخشى انه سيقول لنا لاحقاً إنها نظرية أخلاقية حديثة من ضمن نظرياته التربوية الجديدة. 

ما فعله قاسم بدري فعل مشين لكل المجال التربوي في السودان وإهانة للجسم الاكاديمي خاصة، فما فعله لن يظل محصوراً في ساحة تلك الجامعة كحديث للتندر والاستنكار وحسب، وانما أصبح حديث المجتمع الانساني في العالم الافتراضي. 

من سيشاهدون ذلك الفيديو في عالم متحضر ستنتابهم «الصدمة» ولنتخيل ان ذلك حدث في جامعة أوكسفورد او كمبرج او جامعة ييل وميتشغان أو أي جامعة تحترم تاريخها، وتحولت تلك الحادثة الى زوبعة إعلامية وصحفية، فإن أبسط مطلب لتلك الأصوات الحرة ستدعو الى توقيفه وفصله للابد من سلك التدريس والتعليم، بل وستطالب بمحاكمته جنائياً في محاكم تهتم بقضايا الانتهاكات والتجاوزات واعمال العنف، فيما صحف أخرى ستطلب من السلطات عرضه على طبيب نفسي لتشخيصه ومعالجته، فهذا المدير أساء إساءة لا تغتفر في حق السودان وشعبها وحق نفسه وعائلته.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها