النسخة الورقية
العدد 11145 الإثنين 14 أكتوبر 2019 الموافق 15 صفر 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    4:17AM
  • الظهر
    11:24AM
  • العصر
    3:43PM
  • المغرب
    5:11PM
  • العشاء
    6:41PM

كتاب الايام

«من ليس معنا فهو ضدنا»! الرجعة المدهشة إلى عصر «الغاب»

رابط مختصر
العدد 10508 الإثنين 15 يناير 2018 الموافق 28 ربيع الآخر 1439

من الواضح أن عالم اليوم قد بدأ يتغير على نحو مفجع، ففي السابق، وبالرغم من الحروب والمواجهات الدامية، كان هنالك نوع من الاحترام المبدئي للقانون الدولي وللقانون الدولي الإنساني، وشبه اجماع حول مفاهيم السيادة الوطنية والحرية وتقرير المصير وغير ذلك من القيم الإنسانية والدولية التي كان يعج بها الخطاب السياسي والإعلامي الدولي.

اليوم، وبكل بساطة تختفي لائحة القيم بشكل مفجع: فمن تنظيرات السيد هانغتون حول حتمية صراع الحضارات، إلى أحاديث السيد فوكوياما حول نهاية العالم، إلى شعار السيد بوش الابن الرئيس الأمريكي السابق: «من ليس معنا فهو ضدنا». أو«يا معنا يا مع الإرهاب». إلى حكاية الفوضى الخلاقة التي اشاعتها وزيرة الخارجية الأمريكية السابقة كوندوليزا رايس، إلى قانون جاستا الأمريكي المثير للجدل والذي ممره الكونغرس بادعاء استهداف تحقيق العدالة. إلى تغريدات وقرارات السيد دونالد تراب رئيس الولايات المتحدة الأمريكية، حول القدس عاصمة للدولة الإسرائيلية بالمناقضة للقانون الدولي وللشرعية الدولة... سلسلة من المفارقات التي تسببت في كوارث حقيقية. والأخطر من ذلك - وضمن هذا التسلسل الدراماتيكي للمواقف - هو أن تهدد الدولة العظمى المتفردة بعظمتها، وعلنا الدول التي تصوت ضدها في المحافل الدولية، بقطع (دابرها)، وبشح في الأموال والثمرات.!!!!

الحقيقة التي يعرفها العالم جميعه....

لقد أسست الولايات المتحدة وبريطانيا العظمى بعدوانهما على العراق في العام 2003م إلى منطق جديد أنهى ما بقي من النظام الدولي القديم الذي كان - ولو نظرياً - يعتمد على القانون الدولي كمرجعية أساسية لسلوك الدول الكبرى والصغرى على حد السواء. منذ ذلك العدوان السافر وما نتج عنه من تداعيات خطيرة ومأساة، شهد العالم تحولاً خطيراً وعودة مدهشة إلى قانون الغاب، ومثقفو العالم الحي يرفعون أصواتهم وأقلامهم ضد الهمجية الدولية المستحدثة، خاصة عندما أصبح قلب الأنظمة والسيطرة على مصائر الأمم عملاً إنسانياً. وعندما أصبح بناء السجون خارج القانون عملاً مشروعاً، واحتلال البلدان وفرض معادلات سياسية جديدة فيها عملا ديمقراطيا. وعندما أصبحت زعزعة الأنظمة والبلدان ضمن سياق الفوضى الخلاقة تحولا نحو الأفضل.

إن النظام العالمي الجديد هو رجعة مدهشة إلى عصر (الغاب) إلى ما قبل عصر الصناعة والزراعة، إلى ما قبل ظهور الديمقراطيات والمؤسسات، وحركات التحرر، والمد الحقوقي الذي اقتتلت من أجله ولأجله كل الأقليات والفئات والطبقات والشعوب المضطهدة.. قبل ظهور القوانين الحديثة والدبلوماسية والبروتوكولات والمواثيق المنظمة للعلاقات بين الدول في عصر الحداثة وما بعدها، ويمكن اختزال هذه الهمجية في بعض العناوين فقط: احتلال العراق واحتلال أفغانستان، وسجن أبو غريب، وسجن غوانتنامو. واعتبار القدس عاصمة أبدية لدولة الاحتلال والعنصرية (الكيان الإسرائيلي غصباً عن العالم والتاريخ والعدالة!. إن هذا النظام الجديد يبدو كوكتيلا من الإجراءات التي سادت في نهاية الدولة الأثينية، ونهاية الدولة الرومانية، لقطات مستعارة من نيرون، وكاليغولا، وهولاكو، وتيمور لنك وقراقوش.

إن هذا المنطق العجيب: (صوت تسلم) أو (من ليس معنا فليس منا) هو تجسيد لتدهور القيم الدولية أو هو انتهاء لمرحلة الديبلوماسية في العلاقات الدولية. ففي العلاقات القديمة كان هناك قدر من الأخلاقية. حتى في افتك الحروب: هتلر استثنى سويسرا المحايدة والفاتيكان مركز الدين المسيحي، والمسارح والمدارس والمعابد والجامعات من القصف.. أما حروب النظام الدولي الجديد فهي من دون أخلاق، هي فقط من أجل الاستحواذ على ثروة بالمجان.. أو السمسرة على مصالح ضيقة تستعمل فيها أسوأ وسائل الإبادة وكل الطرق المحرمة من التجويع إلى التعطيش إلى ضرب المستشفيات وسيارات الإسعاف إلى تدمير المتاحف والمعابد وإلى الاختطاف الرسمي في وضح النهار.. 

في الماضي كان الانتماء للوطن عقيدة والدفاع عنه واجب.. واليوم أصبحت الوطنية الوحيدة التي يسمح بها النظام الدولي الجديد هي تلك النعرات البدائية الاقتتالية التي تشطر الوطن إلى أحجار لا متناهية. السيادة التي تغنت بها دساتير العالم لم يعد لها أثر.. وأصبح الساسة والدبلوماسيون أكثر وضوحا في الكلام، وأقل (دبلوماسية) في القول.. السيادة الوطنية لم يعد لها وجود.. قالوا لابد من حرية مرور رأس المال.. وقالوا لابد من حرية مرور أحذيتنا فوق رؤوسكم وصدوركم. وحدها (القوة الغاشمة) يحق لها أن تصدر الأوامر وتحدد (الصالح من الطالح)..قوانين بلادك ومؤسساتها لم تعد مهمة.. يكفي أن تتحرك في الداخل عصابة مسيرة بالريموت كنترول حتى تتحرك الجيوش والأساطيل والخبراء الأمويون.. ولأول مرة في التاريخ بدانا نستمع إلى مصطلحات من نوع (حق التدخل والحرب الوقائية).

أما بعد،،،،

في مواجهة منطق الابتزاز وقانون جاستا، ونقل السيارة الامريكية إلى القدس غصباً عن القانون الدولي، ووقف المعونات المقدمة للدول التي انحازت إلى الحق والقانون الدولي والشرعية الدولية، نطرح سؤالاً واحداً، نرجو ألا يحرج أحداً، وهو: من سيحقق العدالة لضحايا هيروشيما ونكازاكي ويتنام والعراق وأفغانستان...؟ الإنصاف مطلوب هنا لملايين الضحايا في أكثر من مكان في العالم وضحايا الانتهاكات التي تعرض لها هؤلاء في سجن أبو غريب وفي برج العامرية وفي ليبيا وسجن البشر خارج القانون في غوانتنامو؟.

لا يمكن أن تكون قوة الولايات المتحدة الاقتصادية والعسكرية وامتلاكها للفيتو كافية لتبرئتها او إعفائها من المسؤولية على هذه الكوارث التي تسببت فيها، في الوقت الذي تتحدث فيه عن الحرية والديمقراطية وحقوق الإنسان وحق الشعوب في تقرير مصيرها. لقد سئم العالم هذه الازدواجية الفجة وهذا الاحتقار للعالم وللعدالة الحقيقية، وهذا الدعم للعدوان الصهيوني ومده بالوقود والنار. فلا أحد تقريباً يمكن أن يقبل رواية العنف الأمريكي الوحشي في العراق وفي أفغانستان، والقتل والتعذيب والمعاملة غير الإنسانية للسجناء في غوانتانامو وفي أبو غريب، فذلك السلوك ليس ترجمة لمنطق القوة والجبروت فحسب، بل يرجع في جذوره إلى مفهوم للحياة هو بمثابة نفي لمفهوم المجتمع الإنساني: لا احترام فيه للإنسان حياً أو ميتاً. 

همس

الصمت في عتبة الوقت الزائل،

كالأحجار النائمة في سرير الصخر، 

في القاع السحيق للغرائز.

السَّماء المدجَّجة بالحوريَّات

يرمين تحت غيمة جنة الضباع ذاكرة الحب المنقضي كالماء يجري،

أدحرج أسئلتي على طريق الخلاص بكراث الثلج مغبر، 

أنادي: أين المفر في طريق بلا نهاية؟

لا بوابة في دمشق ولا عشق. 

وأنا الحزين التائه في لحظة التيه،

في أمة غادرها الأنبياء مبكراً.

ليس بعد الآن عشق، ولا حب ولا ولع.

ليس بعد أن توغلتُ في صحراء بلا بريق،

ولا حتى سراب.

فأين المفرُ؟

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها