النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 12132 الأحد 26 يونيو 2022 الموافق 27 ذو القعدة 1443
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%
  • الفجر
    3:14AM
  • الظهر
    11:41AM
  • العصر
    3:06PM
  • المغرب
    6:34PM
  • العشاء
    8:04PM

كتاب الايام

في الذكرى السابعة لمأساة الربيع العربي

رابط مختصر
العدد 10508 الإثنين 15 يناير 2018 الموافق 28 ربيع الآخر 1439

مضت منذ أيام الذكرى السابعة لما بات يسمى ثورات الربيع العربي، من دون أن يحتفل بها أحد، أو أن تخرج إلى الميادين حشود كتلك التي امتلأت بالمواطنين العرب في دول الربيع. ولم يظهر على شاشات الفضائيات سوى فريق من إعلامي جماعة الإخوان المسلمين، ما زال يتوهم أن الجماعة هي صانعة هذه الثورات، وأنها بعد الخلافات التي وقعت بينها وبين شركائها فهي الوريث الشرعي لتلك الثورات، وأن مقعد الرئاسة في مصر سيظل في انتظار أول رئيس مدني منتخب في تاريخ مصر !

أخذت استرجع أحداث السنوات السبع الماضية في البلاد التي شهدت هذه الثورات – وهي خمس دول: تونس ومصر وسوريا وليبيا واليمن- بحثا عن الأسباب التي حولت الربيع إلى خريف، والثورة إلى فوضى، والوحدة الوطنية إلى حرب أهلية، والذكرى إلى كابوس.

كان أول ما تذكرته، هو أن الربيع العربي لم يمر إلا على هذه الجمهوريات الثورية، وأنه على عكس تصور الذين صنعوه، لم يشمل الدول التي كانوا يصفونها بأنها رجعية ومهادنة وتسير في ركاب أعداء العرب وأنها حبلى بالثورة وأن الربيع العربي سيبدأ بأحداها. ولم يكن لذلك معنى سوى أن ثورات الربيع العربي كانت في جوهرها انتفاضات شعبية قامت بها شعوب هذه الدول الخمس ضد الثورات التي أسست للأنظمة التي كانت تحكمها، سواء كانت جمهورية أو جماهيرية. فما الذي حدث وأدى إلى أن خرجت شعوب البلاد الثورية العربية ضد الأنظمة التي كانت تحكمها، والتي استقبلتها يوما بالأفراح والأناشيد، والآمال الواسعة في أنها وقد حققت تحرير بلادها من الاستعمار الأجنبي، أوعلى الأقل استكملته سوف تجلب لها الرخاء والسلام والأمن والاستقرار؟!

في البحث عن إجابة عن هذا السؤال، تقافزت أمامي عوامل عدة، منها أن الربيع العربي كان مع بعض التجاوز بمثابة ثورة ضد الثورة، وانتهيت إلى أنه كان إعلانا بافلاس النظم الوطنية العربية، التي تأسست بعد الحرب العالمية الثانية، ورحيل الاحتلال الأجنبي، سواء كان إنجليزيا أو فرنسيا أو إيطاليا، أو كان معلقا في الهواء في نظام إنعزالي بدائي مثل ذلك الذي كان يحكم اليمن.

في استرجاع مشاهد الربيع العربي، توقفت أمام ظاهرة اعتقاد الذين شاركوا في اندلاعها، أنه نجح لأنه بلا قيادة لتتحكم فيه، وأنه حقق أهدافه في إسقاط الدولة الوطنية بسبب هذه الميزة النادرة، التي أدت إلى أخطاء كثيرة وقعت فيها أنظمة تلك الدول، حين اعتمدت على أحزاب أو جماعات سياسية منظمة، ولم تسمح لقائد أو لقيادة بأن تكون زعيما لها.

وكان رأيي آنذاك وحتى اليوم، أن هذه العفوية هي التي انهت هذا الربيع، وأن الجماهير وجدت نفسها بلا قيادة محددة تخطط لها ما تقوم به، فسادت الفوضى والعشوائية، وأفكار هزلية من نوع أن الثورات تنتصر حين تكون بلا قيادة. وكان وراء هذه الفكرة الساذجة، أن معظم الشباب الذين تصدروا المشهد آنذاك، لم يكونوا يعروفون بعضهم البعض، ولا تقودهم سوى الرغبة في التغيير، وفي مزيد من الحرية، وفي محاولة اللحاق بعالم ما بعد انتهاء الحرب الباردة، وسقوط الاتحاد السوفيتي، وانتهاء القطبية الثنائية التي تحكم العالم، وبدء ظاهرة العولمة، وثورة الاتصالات التي حولت العالم إلى قرية تكنولوجية واحدة.

وبسبب هذا الخلط، فإن ثورات الربيع العربي، كشفت عن أنها تعرف ما لا تريد، ولكنها لا تعرف البديل له. وكان طبيعيا أن يقفز تيار الإسلام السياسي الذي يحتفظ بهياكل تنظيمية، وبرؤية تقليدية، إلى هذه الثغرة الكبيرة فيما يسمى الربيع العربي، وأن يستولي على السلطة، وأن يحقق الاغلبية في انتخابات حرة، وأن يبدو هو المؤهل لكي يحل محل النظم الثورية التي كانت تحكم هذه البلاد الخمسة. وهكذا ضاعت ثورات الربيع العربي، وتحول المشهد إلى لوحة مأسوية سريالية، لما بتنا نراه هذه الأيام.

الغريب أن من نصبوا أنفسهم قادة لهذه الانتفاضات العفوية، رأوا أن البديل الوحيد للنضال وتحقيق أهدافهم، هو اتباع أساليب المليونيات الجماهرية التي يحشدونها في العواصم والمدن الكبرى لهذه الدول، وفشلت كل محاولات لاقناعهم بأن ينظموا انفسهم، وأن يتوافقوا على برنامج حد أدنى يسعى لاصلاح ما أفسدته الدولة الوطنية، بدلا من هدم المعبد على رؤؤس الجميع.

وما لبث الجميع أن ادركوا أن جماعات الإسلام السياسي هي التي حلت محل الدولة الوطنية، ومع انها تمتلك تنظيما حديديا، وشبه رؤية لإعادة احياء دولة الخلافة، إلا أنها في الممارسة العملية أثبتت أنها لا تقل جهلا عن الآخرين، وأنها تفتقد للحد الأدنى من الخبرة لإدارة الدول، أو التعامل مع المجتمعات، وأن ما تعتبره أفكارا هو في معظمه اجراءات فات زمانها. ولم يبذل هذا التيار، وفي القلب منه جماعة الإخوان المسلمين، أي مجهود لتجديد الرؤية الإسلامية، لعالم اختلف تماما عن الزمن الذي كان يدير الدول فيها الخلفاء !

وجاء الوقت الذي بدأت فيه الجماهير العربية تشعر بأن الذي حدث أضر ببلادهم، وأطاح باستقرارها. وذهب بعضهم إلى القول أن الوضع الذي كان سائدا قبل هذا الربيع كان رغم عيوبه الكثيرة أفضل مما حدث، ولا معنى لذلك سوى أنهم كانوا يعرفون جيدا ما لا يريدونه، لكنهم لم يكونوا يعرفون ماذا يريدون!

وبعد سبع سنوات، لا يزال الوضع على ما هو عليه، وأضيف إليه أيضا ما يمكن اعتباره من المضحكات المبكيات في التاريخ، إذ نصب تيارالإسلام السياسي نفسه الوريث الوحيد لهذه الثورات، مبشرا أن الزمن سيقود إليها مهما طال، دن أن يفكر لحظة أن تجربته في الحكم ستحول دون ذلك لعقود ليست قليلة، بسبب بسيط هو أنه أعجز من أن يجتهد في الموروث الديني، وإن كان ماهرا في اطلاق الرصاص وإلقاء القنابل، واستخدام المدافع، وتعويق أي جهد يبذل لتحقيق حلم ربيع 2011، الذي تحول إلى كابوس.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها