النسخة الورقية
العدد 11025 الأحد 16 يونيو 2019 الموافق 13 شوال 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    3:15AM
  • الظهر
    11:38PM
  • العصر
    3:04PM
  • المغرب
    6:32PM
  • العشاء
    8:02PM

كتاب الايام

أمل حياتي وسحر العيون.. ما بين شفيق والفيصل

رابط مختصر
العدد 10506 السبت 13 يناير 2018 الموافق 26 ربيع الآخر 1439

لم أكنْ أتخيل ردود الفعل المؤثرة التي تلقيتها بمجرد نشر مقالي السابق عن قصة قصيدة «الأطلال» للشاعر الطبيب المصري إبراهيم ناجي التي ألقتها بروعتها المعهودة أم كلثوم ونالت شهرة مصرية وعربية وعالمية؛ لأنها غنتها في باريس فعرفها الجمهور هناك وانبهر بصوتها كما انبهرنا نحن بها بل وأكثر، لأنهم اكتشفوا أن أحبالها الصوتية نادرة وطبقة صوتها قلما يجود بها الزمان لمطرب أو مطربة.. أي نعم، ثمة مطربون كثيرون في أوروبا والعالم يتمتعون بطبقات صوتية عالية ولكنها لم تصل الى حد مضاهاة أم كلثوم، ولهذا فنحن لا نزال نتذكرها صوتًا وكلماتٍ وألحانًا، ليس هذا فقط، فكم ألهبت فينا قصص حب عشناها مع كلمات أغانيها وقصائدها. ولعلي هنا لا أتحدث عن نفسي بل عن أجيال عاصرت الراحلة العظيمة أم كلثوم، حتى الذين ولدوا بعدها عاشوا الحب مع أغانيها.

 كتبت في موضوعي السابق عن عامين، ماضٍ ينتهي وآخر آتٍ، فكانت «الأطلال» مناسبة للوقت، فهي تتحدث عن حب قديم ومضى الى حال سبيله، ولكنني اليوم ربما أعيش أيضا مع الذكريات، ولكن ليس بين مقارنات بين وقتين ماضٍ وقادم، فالحب يدوم حتى لو اعتقد البعض أنه انتهى أو ذهب إلى حال سبيله.. فمن منا لم يحب ولم يعشْ قصة حب خالدة؟ إن لم يكن بينه وبين محبوب، فبينه وبين نفسه، ومن يسعده الحظ من يستطع البوح بقصصه الخالدة سواء من طرف واحد أو مكتملة، ومن لم يسعده الحظ فليكتمها بين أضلعه حتى يشتد أنينه، ونقول له من كل قلوبنا: «احكي، تحدث، تكلم، أو على الأقل اكتب وارمِ ما كتبته». تقول التجربة أو التجارب إن كتابة قصص الحب الشخصية تمنح المرء قوة ذاتية وطاقة ايجابية حتى إن لم يقرأها أحد غيره، فيكفيه أن يفصح عن مشاعره الجياشة ويفيض بها مع نفسه، فالنفس هنا غير لوامة بل ستسعد، ولعلكم تجربون وتسعدون، فالحب سعادة ومتعة، ولهذا سنعيش مع قصة أغنيتين من أروع ما شدت به أم كلثوم، أو إذا شئنا الدقة، أغنية هي «أمل حياتي» وقصيدة «من أجل عينيك».

وأبدأ بـ«أمل حياتي»، وهي بالمناسبة كتبت عنها كثيرًا لكني لا أدري لماذا تشغلني هكذا! أو لماذا أنا شغوف بها الى هذه الدرجة! حقيقة لا أعلم، ربما لكلماتها وشاعريتها ومعانيها، ربما لأسباب أخرى حتى أن نفسي تجهلها، ولكني فعلاً لا ولن أمل من الكتابة عن «أمل حياتي» لشاعرها المبدع صاحب «انت عمري» التي جمعت أم كلثوم لأول مرة في حياتها الفنية مع محمد عبدالوهاب، لتجمعهما أيضا «أمل حياتي» حتى يستكملا معًا النجاح منقطع النظير الذي حققته «انت عمري»، فما كان من «أمل حياتي» إلا أن تفوقت على الأغنية الأولى واحتلت المرتبة الأولى في مبيعات الأسطوانات وقتها، ليكون ثالثهما في الانجاز الشاعر المبدع أحمد شفيق كامل.

 ولتلك الأغنية الرائعة قصتان عن كتابتها أو فكرة نظمها، تحكي الرواية الأولى أن أم كلثوم طلبت من أحمد شفيق كامل كتابة أغنية جديدة لها بعد نجاح «انت عمري»، ليس هذا فقط، فما كان من عبدالوهاب أيضا إلا أن طلب هو أيضا من صديقه الشاعر كتابة أغنية جديدة، فتوالت اللقاءات بينهما -الملحن والشاعر- على فترات متقاربة جدًا، وكذلك تواصلت لقاءات أم كلثوم وكامل الذي انضم الى قائمة كبار شعرائها الذين غنت لهم، مثل أحمد رامي ومأمون الشناوي وكامل الشناوي ومرسي جميل عزيز وعبدالفتاح مصطفى وعبدالله الفيصل وعبدالوهاب محمد وغيرهم.

 وتقول الرواية إن الشاعر أحمد شفيق كامل لم ينم منذ نجاح أغنيته الأولى لأم كلثوم، وظل يفكر في فكرة ملحمة جديدة يكتبها لها، فغلبت عليه حكاية «أمل حياتي» التي بدأ في نظمها، ثم فاتح عبدالوهاب في «الكوبليه» الأول وكان «أمل حياتي يا حب غالي ما ينتهيش.. يا أحلى غنوة سمعها قلبي ولا تتنسيش.. خد عمري كله.. بس النهاردة خليني أعيش.. خليني جنبك.. في حضن قلبك.. وسيبني أحلم.. يا ريت زماني ما يصحنيش».

رد عبدالوهاب على ما كتبه كامل، لم يكن كلامًا بل ابتسامة عريضة دليلاً على الرضاء التام والاعجاب الشديد برومانسية الكلمات، ومع ابتسامة عبدالوهاب انبهار بهذا المدخل الجميل وطلب من شفيق أن يلقيه عليه مرة أخرى كي يستمتع به وتستمتع به أذناه حتى يتفاعل معه بعوده، وظل شفيق يردد كلمات المقطع مرة تلو المرة حتى سرح عبدالوهاب مع دندناته بينه وبين نفسه ثم مداعبة أنامله للعود حتى انتهى تقريبًا من تلحين هذا المدخل، ليطلب من أحمد شفيق كامل أن يوافيه ببقية الكلمات في أقرب وقت حتى يكتمل اللحن ويعرضه على أم كلثوم شبه أغنية، لتعطي رأيها، وكان رأيها مهمًا للجميع؛ للشعراء والملحنين والمقربين منها. فعاد كامل بعد ثلاثة أيام فقط بكل نص «أمل حياتي».

 المفاجأة أن كلمات الأغنية كاملة كانت في ذهن كامل، لكنه آثر أن يلقي الكوبليه الأول فقط منها على مسامع عبدالوهاب حتى يتأكد من عذوبة الكلمات، وإن لم تعجبه لن يحرج نفسه ويعرضها بالكامل، ولكنه اكتشف إعجاب عبدالوهاب بالبداية وانفعاله بها والدندنة معها، فما كان منه إلا أن راجع كلمات الأغنية كاملة فيما بعد، ثم عرضها على عبدالوهاب وأم كلثوم معًا التى أعجبت بها أيضا ووجدتها في قيمة «انت عمري» وطلبت من عبدالوهاب الإسراع في استكمال اللحن حتى تكون أغنيتها القادمة.

 لم يمر وقت طويل حتى انتهى عبدالوهاب من تلحين الأغنية لتبدأ البروفات مع الفرقة الموسيقية بسرية تامة، وكانت هذه هي عادة عبدالوهاب وأم كلثوم معًا، يجريان كل أمورهما في تكتم شديد حرصًا على عدم تسرب كلمات الأغاني أو أجزاء من اللحن.

 وحتى لا أطيل، تروي الحكاية الأخرى لـ«أمل حياتي» نقلاً عن حبيب علي الجفري، أن الشاعر الكبير أحمد شفيق كامل أسرّ له في أواخر أيامه في لقاء بأحد المساجد، أنه كتب أغنيتي «إنت عمري» و«أمل حياتي» في الروضة الشريفة مخاطبًا بهما الحبيب صلى الله عليه وسلم، ولم يكن يعرف أحد تلك القصة سوى أم كلثوم وموسيقار الأجيال محمد عبدالوهاب. وقال الجفري إن كامل أٌقسم له على هذا، وكانت مناسبة رواية الجفري لهذه القصة أن قال ذات مرة إنه كان يهدي حبيبته هذه الأغنية ولم يكن يعرف أنها في الأساس مكتوبة في حُب الحبيب عليه الصلاة والسلام.

ويسترجع الجفري المناجاة في قول شفيق في أجمل كوبليه بالأغنية وكل كوبليه أجمل تعبيرًا واحساسًا من الآخر 

دي السعادة والحنان في هواك

ما تقضيهاش أجيال طويلة

حبك يا حبيبي ملا قلبي وفكري

بينور ليلي ويطول عمري

بيزيد.. بيزيد في غلاوته دايمًا بيزيد

وتملي جديد في حلاوته وتمللي جديد

إنت خليتني أعيش الحب وياك ألف حب

كل نظره إليك بحبك من جديد وأفضل احب

أنا حبيت في عنيك الدنيا

كل الدنيا حتى عوازلي أو حسادي

كل الناس حلوين في عينه حلوين

طول ما عنيه شايفه الدنيا وانت قصادي

وأنام وأصحى على شفايفك بتقوللي عيش

أسمعها غنوة تقول لحبي ما تنتهيش

خليني جنبك خليني.. في حضن قلبك خليني

وسيبني أحلم.. يا ريت زماني ما يصحنيش

 

وإذا كنت بدأت بـ«أمل حياتي»، فاختم كما وعدت بـ«من أجل عينيك»، ولكن بعد سرد كيف تعرف كاتبها الأمير عبدالله الفيصل على أم كلثوم.. وأنقل هنا رواية عبدالله الفيصل نفسه عن أول لقاء له بأم كلثوم، وهو يتسم بحلو الحديث وحكاء ممتاز، يقول في حوار إذاعي له إنه كان في مصر عام 1947 وأراد هو وأصدقاؤه حضور حفل لجمعية المرأة الجديدة تحت رعاية الأميرة فايزة، فلم يستطع حجز مقاعد، ليتذكر أن أم كلثوم تعرف والده الأمير فيصل جيدًا، فهاتفها وطلب منها إسداء هذه الخدمة له، فما كان منها إلا أن حجزت له 6 مقاعد، ليواجه مشكلة أخرى وهو يدخل قاعة الحفل، إذ لم يكن يرتدي بدلة الحفلات آنذاك المسماة «سموكن»، فرجع بسرعة إلى منزله ليرتدي إحدي بدلاته ويعود بسرعة. ولكن يبدو أن المشاكل مستمرة، لأنه اكتشف أنه لا يوجد حجز باسمه، إذ الحجز باسم والده الأمير فيصل، وفجأة يجد أمامه أحد أصدقائه من علية القوم وقتها ليخبره بالمأزق ويأمر بإدخاله لمقاعده هو وأصدقاؤه، وكانت طاولته بجوار الملك فاروق مباشرة، فشعر بالحرج وخرج بسرعة ليجد أم كلثوم أمامه ويعرفها بنفسه ويبلغها بأنه لا يريد الجلوس بجوار الملك منعًا للحرج، فقالت له ستجلس معي أنا وأحمد رامي.. ومن هنا بدأت معرفة وصداقة عبدالله الفيصل بأم كلثوم، ليطلب منها أن تغني له «كل الأحبة اتنين اتنين وانت يا قلبي حبيبك فين» و«اذكريني كل ما الفجر بدا» و«أهل الهوى».. ولم تبخل عليه أم كلثوم، خاصة أنه أبلغها بأنه مريض وعلاجه في سماع صوتها.. وروى الأمير عبدالله الفيصل أن الصداقة نمت بينهما منذ هذا اللقاء، حتى حاول حجز مقعد له لإحدى حفلاتها وكان مقعده بعيدًا جدًا عنها، فما كان منه إلا أن استأذن كل شخص أمامه ويخبره أنه قادم من بلاد الحجاز خصيصًا لحضور هذه الحفلة، حتى وصل الى الصف الأول وجلس بجوار فكري أباظة وأحمد رامي، والمثير أن أم كلثوم شاهدته من لحظة دخوله المسرح حتى اقترب من المقدمة، وسألته بعد الوصلة الأولى ماذا فعلت لكي تصل الى الصف الأول؟ فسرد عليها قصة اختلاقه المرض وأنه قادم من الحجاز لحضور حفلها وأن المصريين «جدعان» وصدقوه وتركوا له مقاعدهم حتى بلغ مقعدا بجوار فكري أباظة وأحمد رامي ليستمتع بصوتها الساحر.

 أخشى أن يكون الوقت سرقني بسرعة، ولهذا سأتغزل فقط في «العينين» التي كتب فيهما الفيصل «من أجل عينيك»، فمن منا لم يتغزل في عيون حبيبته؟ فمن أجل تلك العيون أحببنا الهوى وذلك بعد أن كنا وحيدين بلا حب أو عشق «من أجل عينيك عشقت الهوي.. بعد زمان كنت فيه الخلي»، ولكن العيون الآن ترفض النوم وتأمر الأرق بألا يرحل «وأصبحت عيني بعد الكرى.. تقول للتسهيد لا ترحل»، فجمال الحبيب الفتان وسحر عيونه حرك العشق في قلبي ونفسي «يا فاتنا لولاه ما هزني وجد.. ولا طعم الهوى طاب لي»، ولهذا أقدم قلبي إلى حبيبي ليأمره متى شاء فهو ملك له من الآن، فإن أراد ظلمه وإن أراد أحبه، فيعدل في قراره «هذا فؤادي فامتلك أمره.. فاظلمه إن أحببت أو فأعدل».. والى البقية في موعد قادم بإذن الله.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها