النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 11563 الجمعة 4 ديسمبر 2020 الموافق 19 ربيع الآخر 1442
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%
  • الفجر
    4:46AM
  • الظهر
    11:28AM
  • العصر
    2:26PM
  • المغرب
    4:45PM
  • العشاء
    6:15PM

كتاب الايام

الأنصاري من نقد الواقع إلى نقد الفكر 3-3

الخروج من حالة التلفيق واللا حسم

رابط مختصر
العدد 10503 الأربعاء 10 يناير 2018 الموافق 23 ربيع الآخر 1439

في الجزء الأخير من المقالات حول المشروع الفكري للمفكر البحريني الدكتور محمد جابر الأنصاري نختتم بما يسميه الأنصاري بـ(نقد الفكر)، بعد أن كنا عرضنا في المقالتين السابقتين ما يسميه الأنصاري بنقد الواقع العربي. حيث يسير البعدان جنباً إلى جنب، لأن الاقتصار على نقد الفكر دون ربطه بنقد الواقع يجعل منه تعاملاً مغلقاً مع نصوص ثابتة انفصلت عن زمانها ومكانها، وذلك ما وقع فيه كاتب ومفكر مرموق مثل الراحل الدكتور محمد عابد الجابري في بعض نتائجه، وحذَّر منه مفكر وباحث عربي متعمق آخر، وهو سيد ياسين.

ومن الناحية المرجعية يمكن اعتبار (كتاب الفكر العربي وصراع الأضداد) للأنصاري الركيزة الثانية لمشروعه، وهو (نقد الفكر)، وهناك كتابان آخران لابد من التلميح إليهما لإكمال الإحالة المرجعية، وهما: كتاب تحولات الفكر والسياسة، 1980، وكتاب مساءلة الهزيمة 2001م. فمن وجهة نظر الأنصاري ثمة تناقضات وصراعات حقيقية ذات استمرارية تاريخية في مجتمعات المنطقة، لا يمكن حلها جميعاً بالصيغ التوفيقية ثمة تعارضات قابلة للتوفيق، وأخرى لابد لها من حسم، أو مواجهة، أو حتى صراع، للوصول إلى حلها تاريخياً، هذا قانون في حياة جميع الأمم ولا مهرب لنا منه، وواقع الصراعات في المنطقة العربية، لم تُجد معها الصيغ التوفيقية، والصراع فرض نفسه، ولذلك يتساءل الانصاري: أليس من الأفضل مواجهة واقع الصراع فكرياً، قبل استفحاله، بدل الوقوع في التناقض المفجع: بين بنية ذهنية (فوقية) توحي بالاتفاق والوفاق، وبنية تحتية مجتمعية تعاني التصدع والانشقاق؟ فهذا تلفيق لا توفيق، مثلما يوقل الأنصاري، فالبدائل العملية التي تسأل عنها لابد أن تتحلى بالمصارحة والشجاعة، وتعترف بالاختلاف والتناقض، لترى كيف يمكن حله، بدلاً من فرض الصيغ التوفيقية مسبقاً كي تنهار بعد قليل، طبقاً لمنطق الجدل التاريخي. ومن هذه القناعة فجّر الأنصاري مختلف الاحتمالات التي لخصها في مضامين كتابه: الفكر العربي وصراع الأضداد، وعلى الأخص ظاهرة الحسم المؤجل بين الإسلام والغرب. حيث تضمن الكتاب مختلف الاستحقاقات المؤجلة في هذا السياق، فلابد في النهاية من الاستجابة التاريخية لكل استحقاق من مستلزمات التطور والعصر، ولكن هل يمكن أن يتم ذلك بالصيغ التوفيقية المخادعة؟ أم بحسم فكري وحضاري أمين مع النفس قبل كل شيء. 

إن الظاهرة التوفيقية السائدة تمثل تعبيراً عن حالة اللاحسم في المنطقة العربية والإسلامية إلى اليوم، ولكن عندما يفرض الحسم منطقه فلابد التحول من النهج التوفيقي إلى النهج الجدلي، وعندما يقول الأنصاري (النهج الجدلي) فهو لا يعني المنهج الماركسي المادي فحسب، وإنما يقصد الجدلية الفلسفية، كما بدأت لدى (هيجل) دون أن ينفي مدارسها التاريخية والاقتصادية الأخرى، لكنه بالتأكيد غير ملتزم بالمنهج الماركسي، وهذا ما يتضح لدى قراءة كتابه (الفكر العربي وصراع الأضداد). وتأسيسًا على ذلك فإن التوفيقية المحدثة تتشابه شكلاً مع التوفيقية الكلاسيكية في الإسلام وتشترك معها في بعض الخصائص، لكنها ليست في عمقها الفلسفي وصلابتها العلمية، فضلاً عن ضعفها الأساسي ـ كما قلت ـ كونها أيدولوجية اللا حسم، بينما التوفيقية الكلاسيكية في الإسلام التي كانت نتاج الجدل الحضاري الحقيقي، وتمثل خلاصاته وثمراته في كثير من جوانبها، وإن لـم تخلُ بعض روافدهــا من القصور المرادف للفكر التوفيقي في كل زمان ومكان.

كما يمكن اعتبار مساهمة الأنصار في نقد كتاب (تكوين العقل العربي) للمفكر المغربي الدكتور محمد عابد الجابري الذي اثار عاصفة من ردود الأفعال التي ظهرت بين الأوساط الفكرية العربية، استكمالاً لفكرته في موضوع (نقد العقل) من خلال ملاحظات وتحفظات الانصاري عليه. وذلك لأن الجابري يعتقد أن أيّ مشروع للنهضة العربية، لا بدّ أن يجعل «من تعرية جذور التخلف في العقل المسيطر على هذه الثقافة، على رأس قائمة جدول أعماله»، ولأن «الاستمرار في الاشتغال الفكري، بنفس الطريقة المعهودة، التي تنتمي إلى ماضي الانحطاط، والاسترسال في التفكير بأساليب تقليدية وعتيقة، لن تسهم إلّا في إعادة إنتاج هذا الواقع الذي نشتكي منه». فالعقل هو: المشرِّع الذي يفرز لنا، تقريبًا، كلّ ما نراه من تجلّيات على أرض الواقع، وسواء كان، هذا الأخير، متقدّمًا أم غارقًا في التخلّف والتراجع، فهو، في الحقيقة، ليس إلا انعكاسًا للعقل، ولهذا، يقول الجابري، محددًا بشكل تقريبي، التاريخ الذي كان يفترض، أن تنطلق فيه مثل هذه الأعمال الناقدة للبنى اللاشعورية للعقل العربي: «كان من المفروض البدء في هذا المشروع قبل مائة سنة». وقد كان الانصاري أحد الذين أسهموا في هذا النقاش بشكل نقدي، بما أتاح لنا تلمس المدخل الثالث من مداخل مشروعه الفكري (إضافة إلى المدخلين اللذين تحدثنا عنهما في المقالين السابقين)، وهو الحاجة الماسة إلى تجديد الفكر العربي، ليس من منطلق «تقديسي» أو «عدمي» ولكن من منطلق الفهم الصحيح والموضوعي (المعرفي).

لقد بنى الأنصاري فكرته على نقد (نقد العقل العربي) مؤكدا بأنه وعلى مستويات البحث العلمي الرصين، يجب أن نكون صريحين، و«نبتعد عن المجاملات التي درجنا عليها في حياتنا العربية، حسب منظور الأنصاري، بما في ذلك التصدي لأطروحات الجابري، وترفعه غير المحمود عن تقبّل النقد العلمي من جانب نظرائه المفكرين العرب، وبعضهم كانوا من أخلص المتفهمين لطروحاته والمدافعين عنه، ومنهم: جورج طرابيشي، الذي كتب نقداً لنقد الجابري للعقل العربي، صار هو ما يجب أن يقرأ من جانب المثقفين والباحثين العرب الجادين بموازاة (نقد) الجابري؛ لأن نقد طرابيشي يمثل بجدارة الصوت الآخر في جدلية تجديد الفكر العربي». هذا طبعاً لو كانت حياتنا الثقافية العربية تعتمد المقاييس الموضوعية والارتقاء فوق مستوى العلاقات والأيدولوجية، والتعصب الديني الذي تجاوزه العصر. وكذلك اعتبارات العلاقات العامة في تقييم العلم والفكر والثقافة، هذه الاعتبارات التي نبّه إلى ضرورة تجاوزها مفكر عربي رصين آخر هو: الدكتور فهمي جدعان، الذي ينبغي أن يستمع إليه المثقفون العرب - من وجهة نظر الأنصاري - إذا أرادوا حقاً الانتقال من الأيدولوجيا إلى الأبستمولوجيا (علم التأسيس المعرفي).

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها