النسخة الورقية
العدد 11001 الخميس 23 مايو 2019 الموافق 18 رمضان 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    3:18AM
  • الظهر
    11:34AM
  • العصر
    3:02PM
  • المغرب
    6:21PM
  • العشاء
    7:51PM

كتاب الايام

نزيف القدس المقسمة روحيًا وسياسيًا

رابط مختصر
العدد 10497 الخميس 4 يناير 2018 الموافق 17 ربيع الآخر 1439

 مع سياسة القرض التدريجي للقدس، ظل مصير المدينة مسألة معلقة بمصير وقدر الصراع

 

يعيش المقدسيون في مدينتهم منذ حرب الأيام الستة عام 1967 حتى هذه اللحظة تحت حالة الاحتلال الاسرائيلي الاستيطاني، فمن كانوا كبار السن ساعة الاحتلال الثاني قد غادروا عالمنا، ومن كانوا في عمر العشرين باتوا يجرجرون أذيالهم نحو القبر، أما من ولدوا في (ساعة الشؤم)، كما هي رواية غارثيا ماركيز، فإنهم اليوم يكملون نصف قرن من حياتهم، حاملين معهم محنة طويلة وقصصًا عديدة من الحياة اليومية النمطية للاحتلال التاريخي الفريد من نوعه، هؤلاء المقدسيون العرب «مسلمين ومسيحيين»، ومعهم قلة يهود شرقيين ولدوا في تلك الاحياء اليهودية من القدس القديمة قبل قيام اسرائيل، يحملون في ذاكرتهم حقيقة تعايش تلك الديانات الثلاث بروح من الإخاء والتسامح منذ (العهدة العمرية). 

نسي العالم العربي والإسلامي وشعوبه أن مشاعر «المقدسي» والفلسطيني إزاء مدينة القدس مختلفة عن نمط وطبيعة غضبه الممتزج فيه البعد الديني والقومي والوطني، فتصريح ترامب ليس إلا استكمال لإيقاع «أوركسترا قديمة» للسياسة الامريكية، متجددة على الدوام للعديد من رؤساء الولايات المتحدة، فنغمة وتحريك ورقة مدينة القدس تولد وتتجمد مع حرارة الصراع بين الشعبين، ومدى ابتعاد واقتراب مشروع حل الدولتين منذ تقسيم فلسطين عام 1948، إذ تحتل مدينة القدس مكانة جوهرية في صلب الصراع والاختلاف والرؤيا، غير أن مَن خارج فلسطين يراها من زاويته الانفعالية الضيقة، فيما يلامس حقيقتها ومدى ألمها وجرحها هم من يعيشون حول وداخل طوق النار منذ أكثر من سبعين سنة جاءت مع التقسيم لفلسطين والمدينة المقسمة، وخمسين سنة من احتلال الجزء الشرقي منها بعد هزيمتنا ونكبتنا منذ حزيران عام 1967. من غضبوا بقوة على موضوع نقل السفارة اكتشفوا فجأة أن المدينة مازالت محتلة وهي محنة أعمق وأقسى من رمزية ودلالة نقل السفارة التي تشكل تمهيدًا وأرضية للاعتراف بمدينة محتلة تم انتهاك شرعيتها رغم الاتفاقات الدولية. 

يشير الأستاذ عبدالرحمن أبوعرفة إلى أن المدينة قسمت عمليا حتى قبل صدور قرار تقسيم فلسطين في 29/‏11/‏1947، ومع ذلك فإن تعيين خط التقسيم بشكل رسمي لم يتم سوى في 22/‏7/‏1948. وفي 30/‏11/‏1948 تم توقيع وقف إطلاق النار بين القوات الأردنية والاسرائيلية. وبذلك تم قطع الاتصال بين قسمي المدينة بالأسلاك الشائكة وحقول الألغام والأسوار الحجرية، ولم يعد عبور شطري القدس ممكنا، إلا من منفذ واحد هو (بوابة مندلبوم)، واقتصر العبور على قوات الأمم المتحدة والدبلوماسيين ورجال الدين المسيحيين والسياح الأجانب الذين سمح لهم بالعبور من الشرق الى الغرب فقط. 

كما سمح للحجاج المسيحيين العرب خلال فترة الأعياد المسيحية بالوصول الى البلدة القديمة (للمزيد انظر كتابنا الإنسان والجدار، فصل القدس وحائط المبكى). 

وقد تشكلت لجنة دولية للبحث في قضية فلسطين، فوضعت مشروعا يقضي بتقسيم فلسطين الى دولتين، إحداهما عربية وأخرى يهودية. وتبقى القدس منطقة دولية، وحين دخل الجيش الأردني مدينة القدس في 18/‏5/‏1948 وجرت معارك عنيفة بين الطرفين انتهت بتقسيم مدينة القدس الى قسمين، ظلت القدس المقسمة بالجزء الشرقي تحت الحكم الأردني الى أن احتلها اليهود عام 1967، قسمت المدينة الى قطاعين؛ القطاع العربي 555 فدانا، أي ما يعادل 11.48% من مساحة القدس، والقطاع اليهودي 4065 فدانا أي ما يعادل 84.13% من مساحة القدس، بينما بقي هناك 214 فدانا، أي ما يعادل 3.5% من مساحة القدس تابعة لهيئة الأمم والأراضي الحرام. غير ان حركة الهجرة والاستيطان داخل القدس لم تهدأ والديموغرافيا وطبوغرافيا (القدس الكبرى) تنمو والمقدسيون يتوالدون، لتصبح خريطة مدينة القدس المقسمة تنحو في اتجاه صالح المحتل، فهو من يصمم ويهندس للبعد الاستراتيجي للمدينة المقدسة منذ أن وطأت قدمه على الأرض في عامي 48 و67. 

ومع سياسة القرض التدريجي للقدس، ظل مصير المدينة مسألة معلقة بمصير وقدر الصراع الذي نراه في الاسس الثلاث لتقاسم المدينة. وقد أشار الأستاذ عبدالرحمن أبوعرفة الى «نظريات السيطرة الاستيطانية الأربع» التي رسمت منذ غزو 1967، فيما قدمت الدكتورة خيرية قاسمية تفصيلات ميدانية وتشريعية وهندسية للنظريات التي ذكرها أبوعرفة. 

لقد رتب النظام الاسرائيلي أوضاع مدينة القدس من نواحٍ عديدة، فخلال ربع قرن استطاعت قوات الاحتلال ان تصيغ المدينة بشكل يناسبها سكانيا وجغرافيا وعسكريا وسياسيا، ولن يأتي عام (67-97) أي بعد ثلاثين سنة من الصراع على تثبيت الحقوق التاريخية والسياسية في المدينة، إلا وقطع الاسرائيليون شوطا كبيرا من ترتيباتهم الامنية والاقتصادية والدينية وغيرها. هذا الكلام قلناه عام 1997 في كتابنا «الانسان والجدار، ص441»، مثلما أشرنا إلى كيف كان المشروع الامريكي يؤجل مناقشة موضوع القدس كونه يعكس تفهم الامريكيين لحساسية الموضوع، وفي الوقت نفسه يمنح الاسرائيليين وقتا أطول لترتيب أوضاعهم في المدينة، وخصوصا موضوع المستوطنات. 

بعد عشرين عاما من ذلك الترتيب 1997-2017 لم تكن «قنبلة ترامب» هوسا سياسيا كما نعتقد، وإنما رسالة واضحة لمرحلة جديدة تمر بها المنطقة، ومن ضمنها ترتيب وإعادة إحياء مسألة الاعتراف المتبادل لمشروع الدولتين، ومن ثم تدشين مشروع الشرق الاوسطي الجديد النائم في الأدراج لا غير.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها