النسخة الورقية
العدد 11145 الإثنين 14 أكتوبر 2019 الموافق 15 صفر 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    4:17AM
  • الظهر
    11:24AM
  • العصر
    3:43PM
  • المغرب
    5:11PM
  • العشاء
    6:41PM

كتاب الايام

مطارحات

الأنصاري مجددًا (1ـ3) مداخل أساسية لفهم مشروع الأنصاري الفكري

رابط مختصر
العدد 10496 الأربعاء 3 يناير 2018 الموافق 16 ربيع الآخر 1439

 التشخيص الخاطئ للبنية المجتمعية العربية أدى إلى نتائج كارثية وانتحارية في مواقف القيادات الرسمية والشعبية

 

لم يحظَ موضوع من بين الموضوعات التي كتبتها مثلما حظي المقال الذي كتبته عن الكاتب والمفكر البحريني الكبير الدكتور محمد جابر الانصاري، إذ وصلني عدد لافت من الملاحظات حول الموضوع ذاته، تؤكد أهمية تعزيز الجهود الرسمية والأهلية للتشجيع على الفكر والرأي العلمي؛ حتى لا يكون الانصاري آخر المفكرين في البحرين.

ومن بين تلك الملاحظات -وبعضها منشور لزملاء وأصدقاء- يشيد بالأنصاري مفكرًا وأكاديميًا من الدرجة الأولى، والحاجة إلى مراجعة مشروعه الفكري العميق والثري، والحاجة إلى تعريف الأجيال الجديدة به. وبعضها يشيد بالاقتراح المتواضع الذي قدمته في المقال، بالدعوة إلى إطلاق جائزة للفكر العربي المعاصر، تحمل اسم الدكتور الانصاري، وليس ذلك بكثير على الرجل الذي منح البحرين والعرب عصارة فكره.

وقد شجعني ما لقيته من تشجيع فاجأني بحماسه، على محاولة العمل على تقديم جوانب أساسية من مشروع الانصاري الفكري بلغة مبسطة بعيدة عن التعقيد من خلال عدد من المداخل المبسطة:

غياب التشخيص وسلطة الشعار

في بداية مشروعه الفكري -المبثوث في أكثر من كتاب ودراسة- كان الانصاري حريصًا بكل إصرار وإخلاص على التأكيد والتذكير بما يسميه «التشخيص المعرفي الدقيق» للبنى المجتمعية العربية -في تشكلاتها المواربة والمخادعة بين مكونات التاريخ المقيم ومظاهر التحديث الوافد- التي مازالت أبعد ما تكون في وعينا عن دائرة الضوء والتشخيص المعرفي، مع أنها أقوى ما تكون في تقرير مصائرنا العامة، وفي إعادة تشكيل سلطاتنا العربية، ومؤسساتنا البرلمانية، وأحزابنا وتنظيماتنا السياسية. كذلك مسلكنا الاجتماعي العام، والوعي الفوقي الناجم عنها في مستوى البنية الذهنية، والخطاب الفكري، والخطاب العام السائد سياسيًا ودينيًا، هذا إضافة إلى تأثيرها في مدى قابلية مجتمعاتنا ودولنا للتأثر بالمخططات الخارجية، وتسهيل الأهداف التآمريـة ضدنا، وذلك بسبب هشاشتنا الذاتية (الجمعية) وليس (شطارة) المتآمرين ضدنا فحسب. وسواء بقيت المجتمعات العربية في ظل أنظمتها السياسية التقليدية، أو انتقلـت إلى الأنظمــة الراديكاليــة الثورية بمختلف تصنيفاتها، فإن المعطيات المجتمعية ذاتها تطل برأسها وتبقى هي المعول عليه في أساسيات التعامل السياسي. 

فالقاعدة المجتمعية العريضة في القاع السوسيولوجي العربي لمختلف مجتمعاتنا العربية، تعيد إنتاج العلاقات المجتمعية من هذه القاعدة إلى القمة التي لا يمكن إلا أن تتأثر بها وتخضع لاعتباراتها، الأمر الذي يتطلب تطوير هذه القاعدة قبل الانقلاب على القمة، ولكـن النزعة الانقلابية التي سادت منذ نكبة فلسطين عام 1948، ركزت على حتمية تغيير القمة؛ قمة النظام السياسي، باعتبار ذلك وسيلة الخلاص الأولى، غير مدركـة أن التغيير الحقيقي لا يمكن أن يتأتــي إلا بتطويـر وتغيير القاعدة في نهاية المطاف. فكما تكونوا يولّ عليكم، والله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم. غير أن خطابنا الثوري الحزبي والأيكولوجي بعامة ظـل منــذ ذلك الوقت إلى الآن لا يلامس طبيعة تلك «القاعدة» المجتمعية العريضة المتخلفة في مستوياتها الحضارية والمدنية والذهنية، إلا بمفردات الشعب، والجماهير، والأمة، التي ينبغي أن يكال لها المديح، وتبقى شبه مقدسة فوق مستوى النقد. هكذا على سبيل التعميم الاختزالي التبسيطي المخل، وبنظرة رومانسية مثالية حالمة منفصمة عن الواقع -من كتابات ميشيل عفلق إلى نداءات بن لادن- دون أن تتاح في تاريخ الفكر العربي وقفة معرفية تشخّص علميًا وموضوعيًا هذه «الكتل الجماهيرية» الهلامية، وتقول لنا ما طبيعة نسيجها المجتمعي في القاع السوسيولوجي. ولماذا «تهدر» في بداية كل أزمة ثم تختفي مثل فص الملح -منذ نكبة فلسطين الأولى إلى حرب أفغانسـتان والعراق الأخيرة-، فأين هي هذه الجماهير التي قيل لنا إنها ستقضي على «الانفصال» في الجمهورية العربية المتحدة عام 1961، ثم ستثأر لهزيمة 1967، ثم سـتدعم انتفاضة الأقصى (وين الملايين؟ والشـعب العربي فين؟) ثم ستتصدى للحرب على أفغانستان والعدوان على العراق؟ ثم أين هي -على صعيدٍ آخر- الطبقات البروليتارية في مجتمعاتنا التي قالت لنا أدبيات الأحزاب الشيوعية واليسارية العربية إنها ستقيم نظامها الاشتراكي المعبر عن مصالحها؟ 

ويكفي هنا الاستشهاد بمرجعياتها الأيديولوجية الشعاراتية المرتبطة بما استنتجته في سبيل اجتراح الحلول «لإنقاذ» المجتمعات العربية، التي لا تبشر بالخير ولا يمكن ان تحيل إلى بناء مجتمع مدني ديمقراطي، مما افضى إلى عيش الايديولوجيين العرب في فقاعة الغرور والتعالي والخيال التي جعلتهم يفضلون الوقوف على منصة الادعاء والاستعراض على فعل العقل السياسي المتزن الذي يمكن أن يتقدم بالبلدان العربية الغارقة في الازمات. ولسنا هنا في حاجة إلى أي استعراض لنماذج من هذا الادعاء والغرور والتعالي، فهي معروضة في «بازار» الخطب والتصريحات و«التغريدات» المنشورة كل يوم على الملأ.

إن تلك الأسئلة التي يطرحها الانصاري في مشروعه، هي أسئلة لا يريد منها إحراج أحد، لأنها أسئلة جوهرية ومؤلمة يتجنب الجميع الإجابة عنها أو يتهربون من مواجهة أجوبتها الموجعة. واعتقد أن هذه النقطة هي من أهم المداخل لفهم مشروع الانصاري، فالتشخيص الفكري السياسي الخاطئ للبنية المجتمعية وللقاعدة الاجتماعية العريضة يؤدي إلى نتائج كارثية وانتحارية في مواقف القيادات من رسمية وشعبية، مثل هذا التشخيص الخاطئ أدى إلى تصفية الناصرية، وتراجع اليسار وتآكله وتورطه في أسوأ الأفعال والخيارات والتحالفات. وكذلك تراجع التيارات الإسلامية وبداية تآكلها بعد انكشافها. كما أن تغافل الأنظمة العربية عن طبيعة القاعدة المجتمعية العريضة التي تجلس فوق قمتها دون رؤية واضحة لطبيعتها ومشكلاتها وتحولاتها، يمكن أن يؤدي بها إلى مشكلات خطيرة، فقد انهار نظام الشاه -على قوته ومقدراته الضخمة-؛ لأنه تغافل عن حقيقة القاعدة العريضة من تحته تاركًا الفساد ينخر في بنيان المجتمع، وهنالك أمثلة عديدة غيره في كثير من بلدان العالم الثالث.

 وللحديث صلة...

همس

يقول الشاعر أبو العلاء المعري:

إذا قلت المحال رفعت صوتي   وإن قلت الصحيح أطلت همسي!

 

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها