النسخة الورقية
العدد 11093 الجمعة 23 أغسطس 2019 الموافق 22 ذو الحجة 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    3:50AM
  • الظهر
    11:41AM
  • العصر
    3:11PM
  • المغرب
    6:08PM
  • العشاء
    7:38PM

كتاب الايام

بالقلم الرصاص

إدارة المناهج.. وداعًا

رابط مختصر
العدد 10496 الأربعاء 3 يناير 2018 الموافق 16 ربيع الآخر 1439

 كانت ثمينة جدًا الساعة المقتطعة من يوم العمل الأخير في مكان عملي بإدارة المناهج في وزارة التربية والتعليم، من أجل إقامة حفل بسيط لوداعي بمناسبة إحالتي على شرف المهنة، أو التقاعد كما هو متعارف عليه في مقامات التداول الإداري والاجتماعي. وأخشى ما أخشاه هو ألا أكون دقيقًا إذا ما قلت إني قد تفاجأت بالحب الذي غمرني به زملائي في العمل وأنا أستعد لمغادرة مكتبي في تلك الإدارة التي أزعم بأني أعطيت فيها كل ما أملك من معارف اكتسبتها في الدراسة وفي الميدان التربوي الثري لبلدي وأجياله الحاضرة والآتية؛ ذلك لأني، على مدى خمسة عشر عامًا قضيتها في رحاب هذه الإدارة، مضافًا إليها أربع عشرة سنة أخرى أمضيتها مدرسًا واختصاصيًا في إدارات مختلفة بالوزارة، قد عملت بتفانٍ مع ثلة مخلصة من الاختصاصيين الكفوئين الأفذاذ. على مدى الفترة التي أمضيتها في الإدارة لم أشعر بغير الحب والاحترام في التعامل بين العاملين فيها، مهما اختلفت مسمياتهم الوظيفية، ومهما اختلفت آراؤهم ومواقفهم. وهذا، على ما سمعته على الدوام منذ التحقت بهذه الإدارة قبل خمسة عشر عامًا، إرث غائر في السلوك ممتد في الزمن يتوارثه العاملون في هذه الإدارة المحورية في عمل وزارة التربية والتعليم جيلاً بعد جيل. 

 في لحظة من لحظات التأمل العميق قبل بدء الاحتفال، عادت بي الذاكرة إلى اليوم الأول الذي قدمت فيه من إدارة التعليم الخاص إلى المناهج اختصاصيًا تربويًا لمادة التاريخ، وكان رئيسي المباشر يومذاك طيب الذكر وحلو السيرة والمعشر الأستاذ خالد الخاجة. وعملاً بالتوجيهات التي أصدرها وزير التربية والتعليم الدكتور ماجد النعيمي الخاصة بالعمل على استحداث مادة التربية للمواطنة لتواكب المشروع الإصلاحي لجلالة الملك، انكببنا نحن اختصاصيو وحدة المواد الاجتماعية، قبل أن تكون هناك وحدة خاصة لمادة التربية للمواطنة، على إعداد مفردات منهج المواطنة. وقد شاركنا في هذا العمل الجبار نخبة من الاختصاصيين في الإدارة من مختلف الوحدات والتخصصات في إعداد المفردات والبحث عن أنجح التجارب في البلدان العربية وغير العربية؛ ليكون منهج المواطنة جديرًا بمدرسة بحرينية تقطع بنجاح وثبات طريقها في سبيل بلوغ مراتب متقدمة ورائدة دوليًا، وقد كان زادنا جميعًا في ذلك حبنا البحرين وتقديرنا العظيم لتوجهات جلالة الملك المفدّى -حفظه الله ورعاه- الإصلاحية والتطويرية، ولقيادة البلاد الحكيمة، وما كنا نلقاه من دعم وفير من لدن الوزير الفاضل الدكتور ماجد النعيمي.

 وعلى الرغم من أن العمل كان يلقي علينا مسؤولية ثقيلة، باعتبار أن المادة الدراسية مادة مستحدثة ومتطلبات التأليف فيها ليست سهلة على الإطلاق، إلا أنه كان ممتعًا، وأوقاته الرسمية تذهب مسرعة إلى الانقضاء، فكان كل واحد منا يواصل ما لم ينجزه بالمكتب في البيت. وأذكر هنا بالمحبة والتقدير كل الاختصاصيين في وحدة المواد الاجتماعية بالإدارة، وبعضًا من اختصاصيي الإشراف التربوي، وبعض المعلمين المتميزين الذين أسندت إليهم مهمة تأليف كتب التربية للمواطنة، فقد كانوا جميعهم في مستوى المسؤولية، ولقد أبدعوا في كل ما فعلوه. 

 وبعد هذا الاستطراد الذي أرغمتك فيه على معايشة شيء من حلو ذكرياتي، أستسمحك قارئي الكريم بأن أعود إلى الموضوع الذي آثرت الكتابة فيه اليوم بحكم وضعيتي المهنية الجديدة؛ التقاعد. شخصيًا، أحسب أن المتقاعد هو الاسم الاجتماعي الذي يُطلق على الموظف أو الموظفة من الذين يعملون في القطاع العام أو الخاص وتشملهم قوانين هيئة الضمان الاجتماعي حين يبلغان سن الستين، السنّ التي قدرت أغلب بلدان العالم قديمًا أنها السن الأنسب للكفّ عن العمل والتفرغ لإدارة شؤون الذات والأسرة -علمًا أن الكثير من هذه الدول قد تراجع في ذلك ومدد سن العمل لأسباب عديدة-، والتمتع بوضعية المتقاعد. في العموم، مرحلة التقاعد لا تداهم أولئك الذي يلتحقون الوظيفة في السن الطبيعي بعد سنوات الدراسة الجامعية، أي في العشرينات من أعمارهم، ولكن الذين يلتحقون في وقت متأخر، لظروف خارجة عن إرادتهم، كما هو حالي أنا، فإن التقاعد يداهمهم ويشكل قلقًا لديهم، بحيث لا يسعهم الوقت للتخطيط لمرحلة التقاعد، فالعوائد المالية، أو الراتب التقاعدي يكون محدودًا؛ لأنه مرهون بعدد سنوات الخدمة ومتوسط راتب السنتين الأخيرتين. وأعتقد أنك لا تختلف معي أيها القارئ الكريم أن المستقبل بعد سن الستين في هذه الحالة لا يكون مزهرًا كما ينبغي.

 يوم الأحد الماضي حصلت على الصفة الاجتماعية الجديدة رسميًا، وانضممت إلى نادي المتقاعدين بعد مرات خمس من التأجيل، للسبب ذاته الذي أسلفت، أي تحسين بيئة التقاعد المادية. بحسب عمري الآن كان يفترض أن أكون متقاعدًا قبل خمس سنوات من الآن. وكانت النسبة المئوية التي سأحصل عليها من الراتب، لو تم ذلك في وقته، متواضعة جدًا بسبب قلة عدد سنوات الخدمة. وهو أمر لم يكن لي فيه يد؛ ذلك أني لم أكن المتسبب في ذلك كما أسلفت، وإنما كان ذلك لأسباب أحتفظ بها لنفسي، ولا أرى موجبًا لإشهارها علنًا. وينبغي عليّ أن أشير في هذه السانحة إلى أن فضل التمديد في فترة عملي بالوزارة لخمس سنوات أخرى بعد الستين إلى الوزير الفاضل ماجد النعيمي، ما يعني أنني سعيت راضيًا مرضيًا إلى رفع سن التقاعد إلى 65 رغم ما يواجه به هذا القانون المفترض من رفض من قبل شريحة واسعة من الموظفين في كلا القطاعين!

 إحالتي إلى التقاعد، جعلتني أنظر إلى هذا الوضع الاجتماعي الجديد من زوايا متنوعة، تُقدر المكاسب راحة وتمتعًا أكبر بالحياة، ولا تتغافل عن سلبيات هذا الوضع في بعض القطاعات التي يمثل المتقاعدون فيها كنزًا خبريًا ثمينًا نضطر إلى التفريط فيه بحكم بعض التشريعات، ففئة واسعة من المتقاعدين ارتقت بحكم مراكمة سنوات العمل إلى مستوى اتقان مادّة تخصصها. ولعلي هنا أشير إلى أن المستشار أو الخبير لأي وظيفة من الوظائف ليست وظيفة يتحصل عليها وفق التسلسل الوظيفي في الترقي، وإنما ينالها الشخص بناءً على تراكم سنوات العمل في تخصصه. 

 أعود فأقول إن العمل في إدارة المناهج أشعرني بقيمة تخصصي وقد وظفته في خدمة بلادي. والحقيقة أن إدارة المناهج عوضتني كثيرًا عن سنوات البطالة العشر التي سبقت اشتغالي في وزارة التربية والتعليم. فشكرًا لوزارة التربية والتعليم، وشكرًا للزملاء والزميلات الذين اشتغلت معهم واستفدت منهم كثيرًا.. ووداعًا إدارة المناهج.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها