النسخة الورقية
العدد 11146 الثلاثاء 15 أكتوبر 2019 الموافق 16 صفر 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    4:17AM
  • الظهر
    11:24AM
  • العصر
    2:42PM
  • المغرب
    5:10PM
  • العشاء
    6:40PM

كتاب الايام

كنت مختبئًا عن الموت

رابط مختصر
العدد 10494 الإثنين 1 يناير 2018 الموافق 14 ربيع الآخر 1439

يستحق هذا العام، عام 2017 ان اودعه باحتفالية خاصة على الاقل تخصني إذ ستشكل سنة 2018 العقد السابع من حياتي، وتخص جيلا كاملا في البحرين ولدوا في عام 48 وقد يكونون مثلي حسب الرزنامة المشبوهة ولدوا في شهر ديسمبر، وكان على قدرنا نحن ذلك الجيل ان نتجرع الفرح موازيا مع الالم والحزن، حزن التيتم وبقايا صور الآلام التي خلفتها الحرب العالمية الثانية على كافة شعوب الارض. لم تعرف النساء الحوامل يومها إلا حكايات الرصاص والحصار والتقشف والمجاعات، نساء حوامل في دعة الكون المنسي في احياء شعبية توسدت الراديو كتسلية جديدة، واندهشت من تلك السينما التي اقتحمت حياة الرجال الفسق وسرقتهم من بيوتهم حيث لا بيوت تستحق العيش، فكان فضاء المقهى ينتظر البحارة العاطلين عن العمل، وعمال بابكو الذين تعرفوا على شراء السلع الجديدة من اسواق كاسدة بفعل سنوات الحرب. ولدت مع قصص المدرسة والمعلم الطيب وكتابات جدارية كالغاز السرية فمن فينا كان يعرف وهو طفل وديع عبارة يسقط «الاستعمار !» ولكن بركة التعليم انه لوثة دماغية للطفولة وهي تفكك الحرف، التعليم كان العدو الاول للظلام الذي عاشته مدن كثيرة في العالم، وكانوا محقين رجال الدين في مطاردته اينما حل ورحل، فقد سرق منهم زبائنهم! وفرصة ان يواصلوا الكذب على الناس باسم الله ويتدخلوا في كل صغيرة وكبيرة،

وكلما ارتفع صوت جديد تنويري يقلص اجنحتهم هبوا معا في جبهة متلاحمة مناهضة في وجه الشيطان الجديد الذي اخترق هدوء وسكينة الكون عليهم، يومها كنت مختبئا في رحم امي انتظر ان اعانق الكون المفتوح مغادرا تلك البقعة الجميلة من كون مغلق دافئ قيل لي من هناك كنت تتواصل مع العالم، ومن خلال «سرة الام» كان عليها ان تودعني امي نحو «الحياة الجديدة»، ذلك الشيء الذي قالوا لنا عنه كل العجب والخوف والتخيلات، ولكنهم لم يقولوا لنا نحن الاطفال لماذا تموت امهاتنا عنا ونحن صغارا؟ لم نجد جوابا واحدا ولكننا وجدنا اجابات كثيرة مضللة تناسب عقولهم وقد نسوا ان الطفل لا يفهم تلك المعادلات المجهولة الغامضة، كل ما كان يعرفه انه خرج من مخبئه الاول نحو مخابئ جديدة دهاليزها خرافية، وبأنه بات وحيدا بلا أمه، فكانت تلك طعنة حادة للطفولة، ولكن الكائنات الغريبة تتعايش مع مخابئ الغابات والكهوف وقاع البحر، ولن تكون اصعب من حالنا نحن البشر في العيش بعيدا مختبئين عن الموت الذي سرق منا اعز مخلوق على الارض بالنسبة للطفل.

طفولة جيلنا كانت تجهل ماذا يعني فلسطين وتقسيمها؟ وماذا معنى بزات العسكر الانجليز في تجوالهم، فلسنا معنيين بفك لغة معقدة، لغة فهمنا لاحقا انها الجغرافية والسياسة، وان هناك شعوبا ولغات وحدودا وملامح ورطانات غريبة، ولكنني مع ذلك، انغمست مع مرارة الفجيعة لاكتشف حكمة ديكارت مع الوقت، حين قال: «سعيد من عاش متخفيا»، فكان على جيلنا ان يحملوا اسماء موازية لاسمائهم وقيل لنا هذا هو اسمك السري، طالما انك خرجت من رحم الام والبوليس عليه ان يجهل اسمك الجديد، فاكتشفت انني مرة اخرى لم اختر اسمي، وأن الاخرين يصيغون حياتي ويقررون خطواتي المرتجفة.

تعلمنا في جيلنا قصصًا وحكايات ودروسًا من خارج منهج المدرسة فعليك ان تقرأ روايات «ثورية» فما عادت قصص عنترة بن شداد تروق لهم ولا اساطير الجن وهي تطير فوق بيوتنا ليلا محببة للمخيلة، فالظلام ما عاد يسترنا فقد غزت الكهرباء بيوت الفقراء في الاحياء البائسة. تحولنا نحن بتلك الكتابات الجدارية في الظلام السحرة الجدد والاباليس الذين يفزعون سكينة الامن والشرطة، فتكسّر الحروف على الحائط وخربشتها عنوان براءة الحكايات الاولى.

كنت مختفيا عن الموت بالصدفة حين طافت من جنبك رصاصات الانتفاضة الاولى وتظاهرات حملت حلم الوحدة «العربية!» والحرية، ولكنك اكتشفت بعد فصول المسرحية المؤلمة انك لست في قائمة الموت في حينها. طافت بك السنوات السبعين وانت تقلب اوراقك كلها في مئوية القرن الواحد والعشرين فوجدت ان خط التعرج بين 1948 و2018 شائكا وحزينا وخائبا وموجعا، فقد رافقتك حتى اليوم تواريخ شعوب مشردة ومدن مقسمة وقضايا معلقة وابادات كونية للاعراق، ولكنك لا ترى منها إلا المقدس والمدنس في السياسة المراوغة، تعلمت من العيش عند خطوط التماس وجع الاخرين، حيث جدار بيتك في القاطع الجنوبي من الجزيرة، وترى امام عينك محنة لا تقل عن محن شعوب اخرى، هرولت في مدن العالم تهتف وتندد وتعانق تخوم الشمس بحلم وامل وحمامات بيضاء، ولكنك استيقظت فجأة ان جدار برلين تهاوى والاخفاق الكبير يدق مدينة الثورة في بتروغراد والكنائس تدق اجراسها في الميدان الاحمر فيرتعش رفاة لينين المهجور لولا خطوات سائح جاء من الزمن الغابر، كانت الفتيات الروسيات الحسان من الجيل الجديد يتعجبن من مشهدنا نحن الذين جئنا من كهوفنا الاولى. كان الثلج يتساقط وانا في خطواتي الاخيرة من العمر اتساءل كم تبقى لي من السنوات المحتملة شهور، اعوام ام عقد آخر ارى فيه صورا حية جديدة من مئويات ثورات عظمى منهارة وشعوبا مشردة ترتعش على فقدان المدينة المقدسة.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها