النسخة الورقية
العدد 11151 الأحد 20 أكتوبر 2019 الموافق 20 صفر 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    4:19AM
  • الظهر
    11:23AM
  • العصر
    2:40PM
  • المغرب
    5:06PM
  • العشاء
    6:36PM

كتاب الايام

بالقلم الرصاص

بـــــاب البحـــــريــن

رابط مختصر
العدد 10489 الأربعاء 27 ديسمبر 2017 الموافق 9 ربيع الآخر 1439

 مهما بعُدت الأماكن أو بدت سبل الوصول إليها صعبة أو عسيرة، فإنها تظل مرتبطة دائمًا برغبة الناس في قضاء حاجاتهم أو بما يشدهم من الحنين إلى هذه الأماكن. وإذا ما توافرت للناس حاجات في أماكن أخرى غير تلك التي اعتادوا على ارتيادها، كأن تكون أقرب والوصول اليها أكثر يسرًا، فإن الأماكن القديمة تنزوي بالتدريج في ركن ما قصيّ من ذاكرتنا ونخالها قد مضت بعيدًا عنا إلى منطقة النسيان. غير أن رابط الشوق والحنين إليها يبقى قائمًا دائمًا وأبدًا، فتتجلى لنا أحياناً كالحلم الجميل الذي ما إن نفيق منه حتى ندرك أن للواقع سلطانه الذي لا يُقهر. من أجل هذا لم يعد ارتياد الأماكن، أي أماكن كانت، بالسهولة التي كانت في أيام الشباب، أي كما كانت في فترة السبعينات أو الثمانينيات. فإذا ما أردت اليوم أن تمر فحسب بمكان لك فيه ذكرى ينبغي عليك أن تخطط لذلك وتتحايل على الوقت لتكسب بضع سويعات وأحيانًا دقائق معدودات تتنفس فيها شيئًا من عبق الماضي، وتكون على مقربة من دفء بيئة ناسها.

 في هذا السياق وضعت لزوجتي بعضًا من المحفزات والمغريات حتى توافق وتكون لي المرافق في جولة إلى سوق المنامة منذ الصباح الباكر من يوم الجمعة الماضي، فعرضت عليها تناول وجبة الإفطار في أحد المطاعم ذات الطابع الشعبي التي تعج بها منطقة السوق القديم في باب البحرين. وقد حرصت على الدخول إلى السوق بمعيتها من باب البحرين التاريخي؛ ليقيني بأن عبقًا من رائحة والدي رحمه الله تختزنها جنبات بنائه فتكون أول ما ينفذ إلى أعماق أعماقي ويصل هواؤها إلى وجداني.

 كنت في ذاك اليوم أبحث عن سويعات أو دقائق أتنفس فيها ذكرى جميلة أنشغل بها للتخفيف من أعباء الحالة الراهنة وضغوطاتها سواء منها ما يتصل بظروف العمل وعلاقات الناس فيها والتي أضحت بحق محيرة خصوصًا حين تعلم أن هناك من كيدَ لهم؛ لتوريطهم في مشاكل هي ليست من صنعهم، وليس لهم فيها يد، أو تلك التي لها علاقة بالهموم المتصلة بالحراك الوطني أو الأزمة القطرية وحرب اليمن وقضايا الإقليم الأخرى. وجدت في رحلتي أو نزهتي بباب البحرين ما أنساني هذه المشاغل، فطافت بي ذاكرتي في أرجاء المكان قبل أن تطأه قدماي برفقة زوجتي. 

 باب البحرين باب عريق أُنشئ في نهاية أربعينيات القرن الماضي، وهو يقودك إلى فهم طبيعة المجتمع البحريني المتسامح على أحسن ما يكون الفهم، واستكشاف تنوعه، حتى وإن كان يحتل مساحة أمتار محدودة، ففيه يتجاور التجار والزبائن والمصالح الإدارية في ألفة عجيبة حولت قلب مدينة المنامة النابض إلى بوابة للحب والتراحم والتعايش والبسمة الدائمة وحلاوة العيش في بحرين بسيطة جميلة تأسر كل من يختلط بأهلها وناسها ويتنفس هواء باب البحرين فيها.

 لا غرو أن فكرة إنشاء «باب البحرين» كانت فكرة ذكية، تبني للمنامة بعدها الأيقوني عاصمة لمملكة اختارت من ضمن ما اختارته لتأسيس رمزيتها الخاصة بوابة تحمل اسمها فتشهد بعراقة انتمائها إلى أقدم الحضارات وبانفتاحها على كل زوارها وأحبابها. هذه الفكرة الجميلة زادها جمالاً على جمال وذكاء على ذكاء ما صرفته هيئة الثقافة والسياحة مع وزارة الأشغال وشؤون البلديات والتخطيط العمراني من جهد ووقت ومال في سبيل تطوير باب البحرين محافظةً على هذا المعلم وكل ما يتصل به من المعالم العمرانية الحضارية، وحرصًا على حفظ الزخم الذي ترمز إليه تلك المعالم مجتمعة وعرضه لوحة بديعة حية تشهد على تاريخ البحرين وجزء من حضارتها رغم وجود بدائل تتمثل في الأسواق والمجمعات التجارية العديدة «المولات» التي تزخر بها مملكة البحرين 

 مراحل التطوير التي صرفت فيها هيئة الثقافة والسياحة وقتًا وجهدًا، كانت شهادة أخرى على الذكاء البحريني الذي اتخذ من تراثه ومهارته في تأسيس طابع معماري يصالح الطبيعة القاسية ويذللها ليجعلها طوع البنان عنوانًا لطور اقتصادي جديد لا يركز على ما يخرجه باطن هذه الأرض الطيبة من بترول وغاز فحسب وإنما يتعداه ليحول البحرين إلى قبلة استثمارية وسياحية بامتياز.

 لقد أصبح باب البحرين اليوم جاذبًا ليس لزوار البحرين وإنما لمواطنيها والمقيمين على أرضها بسبب اللمسات الجمالية التي أضفتها عليه هيئة الثقافة والسياحة. ولا يفوتني هنا أن أشيد بتلازم المستوى العالي من النظافة في المنطقة مع جهود هيئة الثقافة والسياحة. وإذا ما أضفنا إلى ذلك اللمسات التطويرية الجميلة في شكل المداخل والمخارج والأرضيات في داخل سوق باب البحرين فإن زائر باب البحرين سيكون أمام عمل يدرك من خلاله فعلًا مدى أهمية هذا السوق في الحياة التجارية والاقتصادية لمملكة البحرين قديمًا وحديثًا.

 في اعتقادي أن سوق باب البحرين حظي بما ينبغي من الاهتمام الرسمي اللازم من حيث التجديد والتطوير، وإضفاء مسببات الجذب السياحي. وهنا نستذكر بالتقدير والإكبار الاهتمام والإشراف المباشر من لدن حضرة صاحب السمو الأمير الشيخ خليفة بن سلمان آل خليفة على هذا المشروع الذكي وغيره من مشروعات حفظ الذاكرة الجماعية وتطوير مملكتنا الحبيبة. واليوم ينبغي على المؤسسات التجارية، صغيرها وكبيرها، إيلاء هذا المعلم الحضاري الاهتمام اللازم لزيادة وسائل الجذب وأدواته. ففي دواخل السوق شيء من العشوائية ولعله يحتاج إلى شيء من التنظيم وإعادة التقييم، فقد لمست شخصيا غياب بعض المهن التي اندثرت ولم يبقَ لها أثر، ولعل ملاحظتي هذه نابعة في وجه من وجوهها من ذاكرتي التي لا تزال تذكر مهنة لمقهوي، و«الحمالي» وحملتني على شيء من الأسى لأني لم أشاهد هذه المهن، ولكنها أيضا نابعة مما أدركته من فلسفة وجهت ترميم السوق وإكسابه حلة جديدة قديمة فجعلته معلمًا سياحيًا ليس لزائر البحرين غنى عن عدم التجوال فيه. فهل سيكون إحياء ما اندثر من المهن وبعثها من جديد أمرًا هينًا؟! 

 في ختام جولتي، لم يفتني أن أزور منطقة محددة في السوق، وهي منطقة من المناطق الفرعية في السوق درجت مع أخوتي وأخواتي على تسميتها بـ«سوق أبوي»، وسبب هذه التسمية أن والدي رحمه الله وأسكنه فسيح جناته، كان يشتري كل ما يحتاج إليه منها؛ ليُعيد بيعه في المملكة العربية السعودية، وتحديدًا في منطقتي الخبر الجنوبية «صبيخة» والقطيف. تداعت ذكريات جميلة في منطقة «سوق أبوي»، ولعل أكثرها تأثيرًا رغبة والدي في أن أكون وريثًا لمهنته، ولكني لم أكن على قدر ما تمناه لي؛ إذ كثيرًا ما تجري الرياح بما لا يشتهي السفن...

 سوق باب البحرين معلم تفخر به مملكة البحرين وشهادة حية على البحرين ماضيًا وحاضرًا، وهو يستحق منا جميعًا زيارات دائمة تجديدًا للعهد وطلبًا لامتلاء الكيان أكثر فأكثر بحب وطن لا نمل حبه أبدًا.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها