النسخة الورقية
العدد 11146 الثلاثاء 15 أكتوبر 2019 الموافق 16 صفر 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    4:17AM
  • الظهر
    11:24AM
  • العصر
    2:42PM
  • المغرب
    5:10PM
  • العشاء
    6:40PM

كتاب الايام

مطارحات

حول اللفتة الملكية الكريمة.. تقديرًا للدكتور محمد جابر الأنصاري وإسهامه الف

رابط مختصر
العدد 10489 الأربعاء 27 ديسمبر 2017 الموافق 9 ربيع الآخر 1439

أشاد جلالة الملك خلال زيارته إلى الدكتور محمد جابر الانصاري بجهود هذا المفكر البحريني المتميز وإبداعاته وإثرائه للمكتبات الوطنية والعربية، معربا عن فخر البحرين واعتزازها بالدكتور الأنصاري، كأحد رجالاتها المخلصين الذين سطروا البدايات الأولى في تاريخ الفكر والثقافة والأدب، ودافعوا بأقلامهم وكتاباتهم بكل صدق عن الوطن وقضاياه، وساهم في تعزيز قيم الديمقراطية والإصلاح، والدفاع عن وجهة النظر الوطنية في كافة القضايا. 

ولن أتوقف هنا طويلا عند الطابع الاجتماعي والإنساني والأخلاقي لهذه الزيارة الكريمة، ولا عند الزيارات التي سبقتها، فاللفتة الملكية السامية تأتي ضمن ثوابت القيم البحرينية الأصلية، من الوفاء للرجالات الذين خدموا البحرين، وشرفوها في الداخل والخارج، وأعطوا من فكرهم وإبداعهم ما به ترتفع البحرين، وتسجل حضورها في التاريخ المعاصر. فتلك من شيم بحرين الوفاء على الدوام. وانما سوف أتوقف عند أمرين أراهما في منتهى الأهمية في تقديري بالنسبة لمقاربة موضوع الدكتور الانصاري، إنسانا ومشروعا فكريا بحرينيا- عربيا:

الأمر الأول: أن الأنصاري – إضافة لكونه قامة فكرية وعلمية كبيرة- كان له دور تنويري فاعل وحيّ، في جميع مراحل تطور المجتمع البحريني، ضمن التطور العام للمجتمعات العربية. لم ينزوِ قط، وفي جميع اللحظات التاريخية المهمة والحرجة. ولم يلذ بالصمت، ولم ينخرط قط في موجة التهويمات اللغوية، بدعوى أنه لا يريد الانخراط في هذا الموضوع او ذاك. خاصة إذا كان الأمر يتعلق بقضايا وطنية حيوية، تتطلب تجنيد كافة الطاقات وراء مشروع وطني أو قومي سياسي أو فكري للدفاع عن المصالح الوطنية أو عن هوية الأمة ومقدراتها. بل كان حاضرا بكل قوة ووضوح وشجاعة ونزاهة. فهنا لا مجال لافتعال تسويات لغوية أو خزعبلات فلسفية، لتبرير الهروب من مواجهة اللحظة التاريخية الحرجة، أو لتبرير تجنب الانخراط في معركة لابد من خوضها. فقد كان داعما للنهضة العربية ولاشواق العرب في الوحدة والحرية والديمقراطية والتنوير. ورأيناه عندما انخرط مع المشروع الإصلاحي لجلالة الملك صوتا واضحا، مع النهوض والشراكة والوحدة والحرية، من أجل ان تكون البحرين العربية واحة للحرية والديمقراطية والتنمية ورائدة كما كانت دائما. ورأيناه عندما تعرضت البلاد إلى الانتهاك والتآمر، وعندما انكفأ عدد من المحسوبين على الثقافة على ذواتهم الخاصة، ولاذوا بصمت مريب، يبررونه بنوع من التعالي الفكري والإبداعي أو بما يشبه «النأي بالنفس»، بما يعكس سلبية لا تغتفر، بمعيار الاستحقاقات التاريخية. رأيناه مفكرا وطنيا، ينير الطريق بفكر حصيف، وبنزاهة نادرة.

كما عمل الأنصاري الأكاديمي خلال مسيرته الطويلة على بناء التوازن بين المعرفة العلمية وبين الإبداع الفكري والأدبي والفني، حتى تكون الجامعات منارة للفكر وللإبداع، مثلما هي منارة للمعرفة العلمية، بحيث لا يتم تدريس المواد العلمية بمعزل عن الفكر وفلسفة العلوم والقيم والمساءلة والاطلاع على مختلف المذاهب والآراء. ولذلك كان جوهر فكر الانصاري يقوم على تجديد النهضة والفكر، ورفض ثقافة الصوت الواحد التي تؤدي إلى خنق حرية الفكر. فالدور المطلوب من الجامعات هو رفض الاختزال والتبسيط والنظرة الأحادية، والمرجع الواحد، ورفض ما يسميه الانصاري بثقافة التبسيط والسطحية، ومنها ثقافة النصوص السطحية التي تطرح بكثافة على أنها إبداع، في حين أنها تهدد بإفساد اللغة العربية والثقافة العربية. خاصة أن بعض الجامعات باتت تحول هذه النصوص السطحية إلى مقررات دراسية، وهو نهج خطير يجيز كل شيء ولا شيء في نفس الوقت.

-الأمر الثاني هو العلاقة بين الموقع الفكري والأكاديمي للأنصاري وبين الموقف والاشتغال السياسبي، وخاصة من خلال علاقته وموقفه من المشروع الإصلاحي لجلالة الملك. فقد كان له شرف خدمة هذا المشروع الحضاري، وواكب رؤية هذا التوجه منذ بدايته الأولى، وعايشه فكرا وحقيقة وطنية على الأرض. مع حرصه على الاحتفاظ بموقعه كأكاديمي وككاتب ومفكر مستقل. وهذا دليل على نوعية العلاقة الجديدة بين القيادة السياسية، وبين المثقفين في البحرين في ظل الملكية الدستورية المستنيرة. انطلاقا من قناعة كثيرا ما عبر عنها الانصاري من دون تردد، وهي الحاجة إلى تجسير الفجوة بين الثقافي والسياسي، إذا ما أردنا تجديداً لحياتنا الفكرية ولحياتنا السياسية على وجه الخصوص. 

فالتخوف الشائع بأن يصبح المثقف تابعاً للسلطة، لا يجب أن يجهض احتمالات الحوار والتعاون بين السلطة المستنيرة والمصلحة، وبين المثقف الواعي المبدع الصادق المخلص؛ من أجل المصلحة العامة وتطوير المجتمع. 

هذا ما ينبني عليه فكر الانصاري كما عرفته ودرسته، خاصة بعدما رأى المبادرات التاريخية لجلالة الملك، والأبعاد الرحبة لمشروعه الوطني الإصلاحي. فقد كان من أوائل مثقفي البحرين الذين أسهموا بتواضع في بناء هذه العلاقة الصحية بين القيادة والمثقفين، والتي من أهم أسبابها الاستعداد الدائم للقائد للاستماع إلى مختلف الآراء الهادفة لمصلحة البلاد، وحرصه على توفير الحرية لها.

إن مشروع الدكتور محمد جابر الأنصاري الفكري يمتاز بالرصانة والتطلع الجاد للمساهمة المعرفية في تشخيص أوضاعنا المحلية والخليجية والعربية، فوضع علامات مهمة على الطريق، للمساعدة على الخروج من حالة التردي التي تشوب الحياة العربية. كما أنه وبالرغم رصانته العلمية، وعمقه الفكري، لا يبدو متعاليا على القارئ، بل يتميز بوضوح مفرداته واتساق مقاصده وأصالة عناصره، والأهم من ذلك كله ارتباطه الشديد والمستمر بالجدل مع الواقع العربي بمختلف أبعاده الثابتة والمتحولة. كما امتلك والقدرة على التجدد والإضافة المستمرة بحكم معايشته وتفاعله المستمر مع التحولات المجتمعية والسياسية والثقافية في الداخل والخارج، لكونه كان من المفكرين المنغمسين في فعل التجديد والبناء، وليس من الذين يجلسون على الربوة.

همس

يستحق الانصاري ومشروعه الفكري تقديرا من نوع خاص، ويتمثل في تشجيع الشباب البحريني والعربي، على دراسة وتحليل هذا المشروع بإطلاق جائزة سنوية تحمل اسمه «جائزة الأنصاري للفكر»، تتبناها الدولة، وتجعلها جائزة تستهدف تشجيع الفكر والتفكر والتجديد والتنوير، حتى لا يكون الأنصاري آخر مفكرينا، ولا يكون مشروعه الفكري نهاية المطاف. أتمنى أن تجد هذه الدعوة صدى لدى المُمسكين بدفة الثقافة في البحرين. 

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها