النسخة الورقية
العدد 11146 الثلاثاء 15 أكتوبر 2019 الموافق 16 صفر 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    4:17AM
  • الظهر
    11:24AM
  • العصر
    2:42PM
  • المغرب
    5:10PM
  • العشاء
    6:40PM

كتاب الايام

مطارحات

تسمية الأشياء بأسمائها.. حول التلاعب بمفهوم الدولة المدنية..

رابط مختصر
العدد 10487 الإثنين 25 ديسمبر 2017 الموافق 7 ربيع الآخر 1439

من السذاجة الاعتقاد بأن الأحزاب الطائفية يمكنها أن تنتج دولة مدنية، فهذا من الأحلام، بل من الخرافات التي يمكن تصورها حتى في الخيال. ولذلك فإن الخطاب الذي يحاول الاستخفاف بعقولنا حول مدنية الدولة من منظور الأحزاب الطائفية - المذهبية المغلقة، ومنظور المحاصصة السياسية الطائفية، لا يمكنه أن يقنعنا بتركيبته المغشوشة، ولا يمكن أن تقبله عقولنا، ولا تؤكده التجارب التي يعيشها الناس من حولنا في أكثر من بلد وإقليم أصيبت بداء الطائفية المقيتة. هذا النوع من الغش السياسي لا يمكن أن يمر بمنطق العقل وبمنطق السياسة، فالأحزاب الطائفية لا يمكن أن تنتج دولة مدنية، فهي قادرة فقط على إنتاج دولة المحاصصة الطائفية في أفضل الأحوال. وقبل أن تتحدث عن خرافة الدولة المدنية عليها أن تبدأ بفتح أبواب الانخراط فيها أمام جميع المواطنين، دون تمييز وعلى أساس وطني وليس طائفيًا، ودون اشتراط التسليم المسبق بمفاهيم وطائفية. فإن هي فعلت ذلك يمكن مناقشة أي أفق جديد للتفكير في الدولة المدنية. هذا بالرغم من أننا نشك أنها ستكون قادرة على فعل ذلك، لأنها لو فعلته ستكون كمن ينتحر، وينهي بنيانه العقدي والنظري، فينفرط من حولها الجزء الأكبر من الجمهور الذي انخرط فيها أصلاً لقناعات طائفية بالدرجة الأولى. 

نعلم أن خطاب الدولة المدنية الذي تتشدق به بعض الأحزاب الطائفية، موجه إلى الخارج بالدرجة الأولى، فبعض أحزابها وجمعياتها السياسية، تبالغ في تقديم نفسها على أنها ترغب في بناء دولة مدنية ديمقراطية، مع أنها جمعيات دينية طائفية بالأساس، وهي تعلم ويعلم جمهورها أن دولتها المفترضة، هي بالضرورة دولة دينية طائفية، يحكمها رجال الدين بشكل مباشر في جميع مفاصلها. أو يحكمونها من وراء حجاب. ويجيرون كل شيء فيها لصالح منظورهم في كافة جوانب الحياة والموت.

ولا نحتاج إلى الكثير من البحث في هذا المجال، فالجمهورية (المدنية في إيران الإسلامية) هي تقريبًا النموذج (المدني) للدولة الدينية الطائفية. ونكاد نجزم بأنها المثال الذي تحتذي به الأحزاب بعض الأحزاب والجماعات المشابهة لها، ليست صورة نموذجية للدولة المدنية والتي ليس لها من المدنية سوى الاسم. فهي تدور في الفلك المذهبي الإيراني.

كما أن الواقع يؤكد بما لا يدع مجالا للشك أن هذه الجمهورية- النموذج، ليس لها من الجمهورية سوى العنوان؛ لأنها دولة الفقهاء باختصار شديد: هم من وضعوا الدستور وهم من قرر له مجلسًا لحمايته من التغيير أو التطوير، وهم من يمررون أسماء المرشحين للانتخابات على مجهر الفقه والانتماء إلى التيار، وهم من يتحكمون في البرلمان والسلطة التنفيذية والجيش والإعلام والمال والرجال والنساء والمدارس والداخل والخارج. معارضوهم يتحولون إلى شياطين حتى وإن كانوا من حجم محمد خاتمي أو كروبي، والمختلفون معهم عملاء، والمتظاهرون السلميون مفسدون في الأرض. باختصار دولة الفقهاء المنزهين عن الخطأ، هي دولة دينية طائفية متعصبة، لا تترك المجال للحركة حتى للتيارات الدينية الإسلامية الأخرى من خارج تيار السيطرة، ولو من نفس الطائفة ومن نفس المذهب.. وهي في النهاية دولة ثيوقراطية ديكتاتورية، ولا علاقة لها بالديمقراطية ولا بمدنية الدولة، فإذا كان هذا هو النموذج، فما بالك بالنسخ المقلدة له!!

هذا هو ملخص القصة، وما عداها خرافة مضحكة يتم تسويقها علينا استخفافًا بعقولنا؛ لأن الدولة المدنية هي بالضرورة نتاج للفكر المدني الذي يفصل بين الدين والسياسة، ويؤسس لتكون الدولة دولة جميع مواطنيها وليست دولة دين أو طائفة. دولة المؤسسات التي تقوم على الفصل بين الدين والسياسة، ففي الديانات مذاهب وآراء واجتهادات ومعتقدات واختلافات وإشكاليات. ولا يمكن للدولة المدنية ان تتورط لا هي ولا مؤسساتها المدنية في هذه الاختلافات والصراعات وتحيزاتها وقراءاتها؛ لأن مهمتها الرئيسية هي المحافظة على جميع أعضاء المجتمع بغض النظر عن القومية والدين والجنس والفكر. وهي تضمن حقوق وحريات جميع المواطنين على قاعدة الديمقراطية المعروفة. وهي المساواة في الحقوق والواجبات.

 ولذلك لا يمكن مطلقا ان تنشأ الدولة المدنية في ظل حزب ديني طائفي، أو في ظل الدولة المذهبية التي لا تؤمن بحق جميع المواطنين على قدم المساواة. طالما أن القانون المذهبي يميز بين العقائد والتوجهات الفكرية والسياسية، ولا نعتقد أن حزبًا دينيًا طائفيًا معلنًا ومكرسًا في برامجه وفي طريقة اختيار أعضائه ومرشحيه للانتخابات، سوف يؤسس لدولة مدنية بأي شكل من الأشكال، بل لا يمكنه أن يؤسس سوى دولة الطائفة التي هي المرتكز الأساسي للتشريع، وليس على أساس إرادة الناس.

إن المعركة إن هي ضد التزييف السياسي الذي يرقى إلى درجة الكذب على جمهور المواطنين. وهي معركة ضد كل من يمارس التزييف والخداع، مهما كان لونه السياسي أو الطائفي، فالنزاهة في السياسة وفيمن يتصدى للعمل السياسي، شرط أساسي لنجاح الديمقراطية في الحاضر وفي المستقبل.

همس

بعد عشرة أعوام من تجربة الحكم في الجمهورية الإسلامية في إيران تفجّرت أزمة تشريعية سياسية نظرية بسبب إجازة الخميني لوزير العمل تطبيق بعض القوانين التي لم يصوت عليها مجلس المحافظة على الدستور. وأثارت امتعاض رئيس الجمهورية آنذاك السيد علي خامنئي، فبعث الخميني إليه برسالة يقول في مختصرها المفيد: «كان يبدو من حديثكم في صلاة الجمعة أنكم لا تؤمنون أن الحكومة التي تعني الولاية المخولة من قبل الله.. مقدمة على جميع الأحكام الفرعية.. ولو كانت صلاحيات الحكومة محصورة في إطار الأحكام الفرعية الإلهية لوجب أن تلغى أطروحة الحكومة الإلهية والولاية المطلقة المفوضة... وأن تصبح بلا معنى.. ولا بد أن أوضح أن الحكومة شعبة من الولاية المطلقة، ومقدمة على جميع الأحكام الفرعية حتى الصلاة والصوم والحج. وتستطيع حكومة (ولاية الفقيه) أن تلغي من طرف واحد الاتفاقات الشرعية التي تعقدها مع الشعب إذا رأتها مخالفة لمصالح البلد والإسلام. بما في ذلك عدم الالتزام بالقوانين البشرية ومن جملتها الدستور».

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها