النسخة الورقية
العدد 11095 الأحد 25 أغسطس 2019 الموافق 24 ذو الحجة 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    3:52AM
  • الظهر
    11:40AM
  • العصر
    3:11PM
  • المغرب
    6:05PM
  • العشاء
    7:35PM

كتاب الايام

محنـــــة أبــــي العــــلاء

رابط مختصر
العدد 10485 السبت 23 ديسمبر 2017 الموافق 5 ربيع الآخر 1439

لم تكن محنة أبي العلاء المعري الذي عاش بين القرن الهجري الرابع والخامس محصورة بفقدان البصر الذي حرمه من متع الحياة؛ بل كان يشغل فكره بتدهور أحوال الأمة، بالاضافة الى احساسه بعبثية الحياة وبلاءاتها الكثيرة؛ فهي إذن محنة إنسانية ووجودية في آن واحد؛ يتجسد هذا الشعور في البيت التالي الذي يقول فيه:
غير مجد في ملتي واعتقادي نوح باك ولا ترنم شادي
فالنوح والبكاء وغناء الشادي متشابهان، ولا جدوى من الحياة كلها، وفِي كل الأحوال.
وتجلى شعوره الطاغي بالاغتراب في الحياة في الكثير من أشعاره التي حملت هموم عصره في ذلك الوقت. ولَم يتوجع المعرى من فقد حاسة البصر كما توجع من تدهور الأحوال الانسانية، والاغتراب، والضياع وانتشار الجهل بين الناس، الذي يعمق اغترابه. وفِي ذلك يقول:
ولما رأيت الجهل في الناس فاشيا
تجاهلت حتى قيل أني جاهل
ورأي المعري الذي اعتبره بعض النقاد فيلسوفا أن الجهل وضيق الأفق لا يقتصر على العامة، لأن صفوة أهل العلم بدورهم جهلاء أيضا فيا لها من مأساة شاملة، يقول في مثقفي عصره:
وبصير الأقوام مثلي أعمى    
فهلموا في حندس نتصادم
والحندس هو الظلام الشديد. وفِي هذا البيت يشبه المعرى مثقفي عصره بالعميان الذين يتصادمون في الظلمة الغليظة، فهم في صدام دائم، وينفي بعضهم بعضا، وإن أمكنهم دمروا المختلفين معهم؛ كما جرى معه هو نفسه حيث اتهمه الفقهاء ورجال الدين المتزمتين بالزندقة بسبب ميله للفلسفة والعقلانية والمنطق. يقول المعري في تمجيد العقل:
يرتجي الناس أن يقوم إمامٌ ناطق في الكتيبة الخرساء    
كذب الظن لا إمامٌ سوى العقل مشيرًا في صبحه والمساء.
هنا يرى المعري أعراض الجهل في التبعية المطلقة عند الناس لرجل واحد هو الذي يفكر ويقرر بالنيابة عنهم، وهم يتبعون ما يقول، دون تشغيل عقولهم فيما يقول.
وكان ذلك نزوعًا عقلانيًا مبكرًا عند المعري في القرن الحادي عشر الميلادي، فالعقلانية كما ظهرت في الغرب في القرن الثامن عشر، جاءت مع انحسارالفكر الديني المتزمت، وهذه العقلانية هي التي أسست الحضارة الحديثة. ولو أخذ العرب بنصيحة المعري التي أطلقها في القرن الحادي عشر الميلادي لما دخلوا في العصور المظلمة، التي بدأت بتغييب العقل، والاعتماد على النقل، وسد باب الاجتهاد.
ويذكر لنا التاريخ أن الانحدار الحضاري عند العرب بدأ عندما هاجم الفقهاء النزعة العقلية بشراسة، ودحروها واعتبروا الفلسفة والمنطق نزوع الى الكفر. وأحرقت على هذا النهج كتب الفيلسوف الفقيه العقلاني ابن رشد.
ومن المصادفات الموجعة، أن الغرب استقبل الفلسفة العقلانية العربية بترحاب بالغ، وعلى وجه الخصوص أفكار ابن رشد؛ وراحوا يعملون على تطوير هذا التوجه. وكأن المعري وهو يتحدث عن إشغال العقل يتحدث عن عصرنا الحالي أيضا، فالأمور جلها لم يتغير منذ القرن الحادي عشر الميلادي، حتى الآن، فلا زال الناس يتبعون رجل واحد هو الولي أو الفقيه. وهو الذي يفكر ويقرر بالنيابة عنهم.
ويروى عن المعري أنه كان لا يتقرب من الحكام والسلاطين كما هو حال الشعراء في عصره. وقيل أنه يتعذر عن زيارتهم بالمرض. وعُرف المعري بعزلته الطويلة، فقد زار بغداد، وعاد منها وإعتكف ولَم يخرج من بيته عدة عقود، لذلك سمي برهين المَحبسين؛ عماه وبيته. كان هذا الشاعر الفيلسوف يحب الوحدة والعزلة ويردد قائلاً:
توحد فإن الله ربك واحد    
ولا ترغبن في عشرة الرؤساء
وللمعري شعر بليغ في فهمه لما يجب أن يكون عليه الحاكم بين الرعية. وهو عندما رأى انقلاب الأمور الى ضدها واستمرار ظلم السلاطين والحكام، وفِي حالة من اليأس الشديد، هتف قائلاً:
مل المقام فكم أعاشر أمة    
أمرت بغير صلاحها أمراؤها
ظلموا الرعية واستجازوا كيدها
وعدوا مصالحها وهم أجرائها
والمعنى واضح هنا، فالمعري يرى أن يكون الحاكم في طلب مصلحة الرعية فيما هو كان يرى حكام عصره يظلمون الرعية. وكان المعري معجبًا بالمتنبي الذي عاش في القرن العاشر الميلادي، أي قبل ما يقارب القرن، وعلى منوال المتنبي المعجب بنفسه قال المعري:
وإني وإن كنت الأخير زمانه
لآتٍ بما لم تستطعه الأوائل
فهو يطمح الى المجد رغم أعاقته البصرية، لكنه يعرف أهميته كشاعر ومفكر وفيلسوف. ولو قارنا بين الشاعرين سنجد تشابهًا واختلافًا تشابه المبدعين.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها