النسخة الورقية
العدد 11146 الثلاثاء 15 أكتوبر 2019 الموافق 16 صفر 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    4:17AM
  • الظهر
    11:24AM
  • العصر
    2:42PM
  • المغرب
    5:10PM
  • العشاء
    6:40PM

كتاب الايام

مئوية ثورة أكتوبر الروسية «1»

رابط مختصر
العدد 10483 الخميس 21 ديسمبر 2017 الموافق 3 ربيع الآخر 1439

كنت طوال فترة الصيف في حالة تأمل وتفكير ماذا ينبغي أن أكتب عن مئوية ثورة أكتوبر الروسية؟ هل عليَّ أن أعيد اجترار العبارات والجمل الثورية القديمة أم أعيد كتابة صيغة اخرى لقراءة تاريخية مختلفة وفي سياق تاريخي مختلف؟ هل أكتب من بداية الثورة حتى وفاة لينين 1917 - 1924؟ وهي سنوات من المهم ان يعرف عنها الجيل الجديد والقارئ العادي الذي لم يحظ َلا بقراءة تاريخ تلك الثورة العظيمة في خضم احداثها وتفاصيلها بل ولم يقم الكثيرون أبناء ودعاة الماركسية – اللينينية بدراسة ذلك التاريخ بدلاً من قراءة عابرة مرتجلة لا تخضع لمنهج نقدي صارم حد الألم، إزاء الاخفاق الكبير لدولة عظمى عاشت سبعة عقود ثم انهارت كأوراق الخريف. فضلت تقسيم وتمرحل السبعة عقود بقراءة سميته العقد اللينيني للثورة ومن ثم قراءة العقد الاخير وهو ماقبل الانهيار والاخفاق الكبير حسب عبارة وكتاب «بريجنسكي!» (كتاب الاخفاق الكبير /‏ ميلاد الشيوعية وموتها). 

تتبعت احتفالية العالم للمئوية البلشفية فلم يكن العالم العربي مهتماً إلا بإرسال برقية التهنئة والشجب وبيانات لا تسمن او تغني من جوع، فيما احزاب امريكا اللاتنية واوروبا بما فيهم روسيا الاتحادية منحت مدينة الثورات الثلاث بتروغراد (بطرسبوغ) وموسكو احتفالية تناسب تاريخ البلد والثورة في مناخ سياسي أممي ونشيد «الانترناسيونال /‏ الأممي» بروح قومية تناسب روح بوتين، روح اقل ما يمكن وصفها بفرح مكسور وحماس منهزم خفي، يحاول استعادة انفاس تاريخ أكثر صقيعاً من مدينة الثورة، التي احتفت بضيوفها ورفاقها من الاحزاب الشيوعية، والذين كان على عباراتهم ان تكون في اتجاه المستقبل وماذا عليهم ان يفعلوا بدلاً من موال شعر باسترناك المرتبك، وكيف يتعامل مع هدير ثورة خلف باب منزله في بلد كان يعاني الجوع ومرارة الحرب وخنادق الثلج. 

المناسبات تأتي وترحل والتمجيد اليتيم مستمر، ولكن ما يبقى في الذاكرة هو المرارة عند استذكار الخيبات وخسارة مشروع تاريخي كبير في غمضة عين، وكان في آخر ايامه المحزنة في قبضة رجل سكير كبوريس يلتسين. كيف نتخيل ان تبدأ ثورة منتصرة برجل عظيم كلينين وتنتهي برجل منحرف سياسيا بكحوليته كيلتسين باع الحزب والدولة مع زبانيته بكل سهولة لمافيا الساسة في الداخل والاعداء في الخارج، حيث كانوا يتربصون للدولة الاشتراكية طوال تلك العقود السبعة في صراع مصيري بين الرأسمالية العالمية والاشتراكية العالمية. 

في نهاية المشهد لذلك الصراع الايديولوجي، تخرج الاشتراكية الروسية من مسرح التاريخ الاوروبي لتبقى تقاوم خارج القارة، يكون نصيب كوبا والصين وفيتنام حالة من الترقب والخوف - رغم الانجازات - من نمو التآكل داخل الحزب والدولة وابتعاد الجيل الجديد عن وهج الثورة الشائخة ونفور المجتمع الشبابي عن مؤسسات الدولة العميقة، بحيث يتحول الشارع السياسي بعيداً عن بيروقراطية الحزب العاجز عن تحقيق الاحلام الكبرى التي رفعتها، وبشرت بها تلك الشعارات الطوباوية نحو بناء الشيوعية المتقدمة. 

كان رجل الكرملين الحالم (لينين) كما سموه في صحافة الغرب حتى شهور قليلة من اندلاع الثورة، كان يائسا من حدوث تلك الثورة وهو في منفاه، دون ان يتخلى عن مشروعه وبرنامجه في السعي لازالة النظام القيصري منذ تشكيله حزب منضبط مسلح بنظرية ثورية. 

ساهمت ثورة 1905 - 1907 وعلى مدار عامين ونصف في التمهيد والتمرين العام لثورة اكتوبر عام 1917، فقد استلهم لينين دروس تلك الانتفاضة والعنف الدموي وكيف بات من الصعب إسقاط النظام القيصري بالنضال السلمي، وكان على بروليتاريا روسيا ان تستعد لممارسة دكتاتوريتها المماثلة للنظام الاستبدادي ودكتاتورية البرجوازية عن طريق تسليح عمال المصانع بالتحالف مع الفلاحين الفقراء. 

حتى تلك اللحظة لم يكن مطروحًا في ذهن لينين الاعتماد على قوة وأهمية الجنود والبحارة وجزء من الضباط، ولولا مساهمة تلك الفئة العسكرية في اللحظات الحاسمة لما كان بإمكان البروليتاريا المسلحة ان تكون قادرة على اسقاط الحكومة المؤقتة، حكومة كيرنسكي. لولا قوة الجانب العسكري للحزب البلشفي بين بحارة اسطول البلطيق لما اختل ميزان القوى في الصراع، ولشهدت شوارع مدينة بتروغراد وموسكو وغيرها حمامات دم. 

ولو لم تكن لحظة المباغتة والتخطيط في التحرك والتمترس في المواقع في الوقت المناسب، لما سقطت الحكومة البرجوازية المؤقتة في حضن البلاشفة، ولظلت الاطراف الشاسعة لروسيا مصدرًا مؤرقاً قابلاً لتدمير الثورة، في وقت كان الجيش الروسي القيصري يعاني الهزائم والتفكك والاعياء والجوع من جراء الحرب، ما تسبب في هروب الجنود من الجبهات والالتحاق بالثورة في المدن، وبقدرة لينين كرجل سياسة محنك، قادر على تطبيق المقولة التي طرحت في مؤتمر الأممية الثانية إبان عشية الحرب العالمية الاولى 1914 - 1916، في تلك السنتين من عمر الحرب خاضت التيارات الشيوعية والاشتراكية والقومية نضالاً فكرياً شديداً، تمخض عنها، باهمية تحويل الحرب الضارية الظالمة بين القوى الكبرى الى حرب أهلية تستلم فيه البروليتاريا سدة الحكم، فهي وحدها من يناهض فكرة الحرب العدوانية بين الشعوب والبلدان.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها