النسخة الورقية
العدد 11123 الأحد 22 سبتمبر 2019 الموافق 23 محرم 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    4:03AM
  • الظهر
    11:31AM
  • العصر
    2:58PM
  • المغرب
    5:36PM
  • العشاء
    7:06PM

كتاب الايام

الحلم بعراق مدني...

رابط مختصر
العدد 10477 الجمعة 15 ديسمبر 2017 الموافق 27 ربيع الأول 1439

 من تحصيل الحاصل القول إن المعطى الجغرافي المحدد لموقع بلد ما يبقى دائما عنيدا ويكون من الاستحالة بمكان أن يتدخل الإنسان لإحداث تغيير فيه، ولهذا ينبغي على الإنسان أن يتعامل مع هذا المعطى ويتعايش معه بالتحصن من تأثيراته وغوائله. فكون العراق جار لإيران فهذا طبيعي ومن أقدار الجغرافيا، لكن هل يعني ذلك أن يجبر العراق بحكم منطق الجوار على التخلص من هوية عربية ضاربة في أعماق التاريخ ليكره على انتحال الشخصية الفارسية؟ الإجابة طبعا لن تكون إلا ب«لا» قطعية. فالعراق عربي الهوى والهوية أحب من أحب وكره من كره. وفي ظني أن الفكر القومي قد لقي رواجا في العراق بسبب ما جنته عليه هذه الجغرافيا اللعينة التي فرضت عليه جيرة قومية مختلفة تعيش على أطلال إمبراطورية أفل نجمها من زمان، وأن نشاط رواد هذا البلد العظيم ومفكريه قد كان دائما محكوما بالسعي إلى ترسيخ هوية العراق العربية لمواجهة تأثيرات الجغرافيا وأقدارها، ومكر عقدة استعلاء امبراطورية متوارثة لم تنجح العقيدة الدينية في طمس معالمها أو تحويل وجهتها، وقد أخبرنا تاريخنا العربي الإسلامي بذلك عندما حدثنا عن الصراعات الشعوبية وآثارها الماحقة في إضعاف الخلافة العباسية. 

 وأعتقد جازما أنه إذا كان هناك من تأثير قد يلحق بشخصية العراق العربية فإنه يبقى تأثيرا عرضيا محدودا لعله يحدث اليوم بسبب تهاوي دعامة الفكر القومي في بلاد الرافدين والتي كانت ممثلة في حزب البعث من جهة، وتنامي الطائفية المذهبية التي تقودها إيران الفارسية في المنطقة بغاية خدمة سعيها اللاهث إلى مد نفوذها في الاتجاهات كافة من جهة أخرى. ولا مراء في أن مقومات استقلال الشخصية العراقية عن الهوية الإيرانية ستظل قائمة إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها، أيا كانت الأهواء والنزعات ومهما تناثرت الملل والنحل وتنوعت ميولها وأهواؤها فارسية أو متذيلة للفرس كانت أم باحثة عن هوية أخرى تبعد العراق عن جذوره العربية. فالفارسي يبقى فارسيا حتى لو كان مسلما، والعربي يبقى عربيا مهما كان الدين الذي يعتنقه. ولا أحسب أن في ذلك مساسا لا بالعقيدة ولا بالانتماء القومي خاصة في بلد كالعراق الذي بنى هويته العربية في إطار تنوع عقدي وديني لم يطرح في يوم من الأيام إشكالا «هوويا» لولا العبث الإيراني.

 في هذا السياق، لا يبدو أن العراق الذي كان يتبلور ويتشكل في مخيلة النخبة السياسية والثقافية منذ مرحلة الاستقلال وحتى عام 2003، هو العراق الذي يبدو في صورته اليوم، ودع عنك صورة العراق قبل هذا التاريخ، ذلك أن الحديث هنا يجري عن العراق الحلم. فعراق الحلم هذا، أي العراق الذي بقيت هذه النخبة وعلى مدى مرحلة زمنية مديدة تسقي البيئة الاجتماعية من فوق مختلف المنابر من أجل إنضاج الظروف الموضوعية والذاتية لكسب تأييد إقامة مجتمع ديمقراطي تتعايش فيه مكونات المجتمع جميعها وتضبط إيقاعه المواطنة المتساوية، مازال بعيد المنال إذا ما بقيت الأحزاب السياسية الحالية تتسيد المشهد السياسي وتسوده وتسوده. إن الصورة من الخارج تبدو كئيبة، ولا تقترب أبدا من طموح من ضحوا بحياتهم في سبيل تحويل حلم عراق المواطنة إلى حقيقة واقعة. وما ينبغي أن تعيه هذه النخب السياسية هو أنها وضعت نهاية لنظام سيء في عام 2003 لتنشئ على أنقاضه نظاما أسوأ، بل وأشد سوءا بكثير.

 قد يقول قائل إن الأوضاع السياسية في العراق لم تعد كما كانت قبل عام 2003 لجهة حرية التعبير والانتخابات ووجود المؤسسات الدستورية والرقابية المنتخبة، وهذا على مستوى الكلام لا الفعل قد يبدو في ظاهر الأمر حقيقة لا اعتراض عليها، لكن ما فائدة كل ذلك إذا كان المجتمع مسيرا من أحزاب طائفية مذهبية تسعى جاهدة إلى جر العراق إلى منوال سياسي يكرس نظاما في الحكم تتحكم فيه أحزاب ثيوقراطية تتناوب على السلطة بذريعة التكلم باسم السماء. قد نقر، نسبيا وبشيء من إرغام النفس على مسحة من التفاؤل، بأن بعض الأوضاع السياسية في العراق قد تغيرت عما كانت عليه قبل عامين أو ثلاثة، ولكن يبقى هذه التغير دون المأمول. وإذا ما استمر العامل المذهبي المحدد لاتجاهات الدولة في رسم السياسات الداخلية والخارجية فإن الأمل يبقى ضعيفا جدا في الحصول على عراق يختلف عن سابقه، وأعني هنا العراق الذي صنعته أمريكا بالتعاون-أو بالتآمر-مع أحزاب وجماعات وشخصيات سياسية مذهبية. فمثلما كان عراق صدام حسين ممقوتا لدى البعض، فإنه اليوم ممقوت أيضا لدى البعض الآخر. 

 التحدي الآخر الذي تواجهه الدولة العراقية هو إصرار ميليشيات الأحزاب العراقية المدعومة من إيران، وقد تسمت ب«الحشد الشعبي» على أن تتصدر المشهد العراقي، وقد شاركت هذه الميليشيات، أو بالأحرى فرضت نفسها على الدولة وحاربت إلى جانب الجيش العراقي تنظيم الدولة الإسلامية وانتفعت بإنجازات الجيش لتبني بذلك شرعية موهومة تساعدها ومن وراءها على الاستئثار بالساحة العراقية. فهذه الميليشيات تعد من أكبر الأخطار الداهمة التي تهدد الدولة العراقية التعددية وينبغي التصدي لها، ذلك أن اتفاق الأحزاب الحاكمة على جعل هذه الميليشيات قوة عسكرية موازية للجيش العراقي لهو تكريس صريح للدولة الدينية على غرار ما هو معمول به في إيران. وهذا بالطبع مسعى إيراني خبيث ينفذه وللأسف سياسيون يدعون أنهم عراقيون. 

 لدي اليقين الثابت أن العراقيين مقدمون على تحقيق حلمهم في بناء العراق الذي يريدون، وهم قادرون على ذلك، فمثلما لا ينبغي أن ندع إيران توظف الجغرافيا لصالح مشروعها التوسعي، على العراقيين أن يحصنوا بلادهم بما يعزز هويتها العربية، ويعملوا على إضعاف الأحزاب الطائفية بل وتفكيكها بقوة المنطق والفكر وعقيدة الإيمان بعراق المواطنة، وأن يضغطوا في اتجاه تجميع عناصر القوة في يد الدولة المدنية، لذا فمن الواجب أن تفرض الدولة على ميليشيات «الحشد الشعبي» تسليم السلاح. وأن ترغم على أن تقتدي بما فعله مقتدى الصدر حين طالب ميليشياته بضرورة تسليم أسلحتهم للدولة العراقية، لأن سبب وجود هذه الميليشيات قد انتفى، ولا مبرر لأن تقاسم قوة سياسية أيا كانت توجهاتها الدولة حقها المطلق في امتلاك قوة مسلحة. ميليشيات«الحشد الشعبي» العراقية، إذا ما استمر وجودها، ستكون دائما الورقة التي ستلعب بها إيران مع الأحزاب التابعة لها لتبديد حلم العراقيين في دولة مدنية.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها