النسخة الورقية
العدد 11060 الأحد 21 يوليو 2019 الموافق 18 ذو القعدة 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    3:27AM
  • الظهر
    11:44AM
  • العصر
    3:12PM
  • المغرب
    6:31PM
  • العشاء
    8:01PM

كتاب الايام

استقالة الحريري «الممكن واللا ممكن»

رابط مختصر
العدد 10469 الخميس 7 ديسمبر 2017 الموافق 19 ربيع الأول 1439

شكلت استقالة رئيس وزراء لبنان سعد الحريري حدثًا سياسيًا بارزًا يومها وكان بمثابة «كرنفال» الحريري السياسي، حيث قامت الدنيا في لبنان ولم تقعد، وبات اعلامها جملة وتفصيلاً أسوأ من بازار سوق طهران الذي يبيع سلع رخيصة ومغشوشة على خلق الله. كادت تلك الاستقالة ان تخلق حالة «صرع» سياسي في الوسط اللبناني، حيث بدأت مختبرات التحليل السياسي المشهورة لبنان بها عن سائر البلدان العربية، نتيجة ذلك الهامش من التعبير نصف الحر. وبدأنا نسمع في بيروت ومنها عجب العجاب، فتلك البازار السياسية والاعلامية قادرة على شحذ طاقاتها التاريخية في فن فتح الملفات وتضخيمها فبدا اللاممكن ممكنًا، وبدا الطائر الصغير الكناري غرابًا، وتحولت كل الاصوات الكريهة العبثية معقولة في عالم اللامعقول البيروتي. ومن منا يجيد ترويج أغاني الاحتجاج والغضب والتبرير؟
نستطيع أن نقول حقًا وبجدارة لعب الحريري بالورقة اللبنانية بطريقة ذكية فاجئ خصومه دون استثناء باستقالة «استثنائية !» فمن الممكن ان يجنح اية شخصية سياسية رفيعة اختيار قرار استقالته من بيته وفي داخل وطنه، غير أن الجديد واللاممكن – هكذا تم تصوير الاستقالة – ان يستقيل رئيس الوزراء من خارج لبنان، فهذا زلزال سياسي في تاريخ لبنان، حيث ذكرنا الابن بتاريخية حدث اغتيال والده لفرادته وبشاعته، وهذا الحادث التراجيدي كان ممكنًا وطبيعيًا في ساحة لبنان، ما هو غير طبيعي وغير ممكن ان يلقي سعد الحريري بصخرة سيزيف من فوق كتفه بعد ان عجز من ثقل تلك الصخرة اللبنانية والتي ذكرته بصخرة «الروشة».
هذا الحمل الثقيل يعيدنا الى حكاية اطلس لحمل العالم على عاتقه، فقد بات لبنان الصغير في محيطه الاقليمي ينوء بثقل أضخم من حجمه الطبيعي، وما عاد ممكنًا مواصلة تمزيق وتفتيت لبنان واختطافه بابعد مما هو فيه، فالدولة والحكومة تتكسر اجنحتها منذ سنوات كلما رغبت في الطيران بأمان لكي تنجز ما بدأه حريري الأب من تنمية واعمار، تلك التموجات والتعرجات غير الممكنة في سياسة بلد صغير فتح ذراعه للعرب والدول المجاورة ليجد نفسه مثقل بكل مشاكل المحيط خلال العقود الاربعة.
وكلنا يعرف ملف الحرب الاهلية اللبنانية وما ترتبت عليها وكلنا يحفر في ذاكرته الحروب العربية – الاسرائيلية التي تمر ومرت من ساحة وبوابة لبنان، غير أن الجديد واللاممكن هو دخول الجمهورية الاسلامية على الخط العربي بعد ثورة عام 1979، حيث مشروع تصدير الثورة مرتكز ايديولوجي لا تراجع فيه وعليهم التأسيس له عبر تشكيل أحزاب ومرتكزات مذهبية تحت بريق «الاستنفار الثوري» ويومها كان عالم حركات التحرر ما زال يشهد نهوضًا.
نجحت ايران في زرع نطفتها في رحم وتربة لبنان وما كان في السابق غير ممكنا في عهد الشاه تحول الى واقع ممكن في زمن الملالي، والحجج كثيرة وكانت ظروف وحضور سوريا في الساحة اللبنانية عنصرًا مساعدًا لنمو ذلك الوليد الجديد فالجميع سوريا وإيران في تحالفهما بحاجة لذراع سياسي وعسكري تقوم بمهمته حركة امل وحزب الله في ساحة متلبكة غيومها السياسية بمفردتين هما «العدو الاسرائيلي» و«المقاومة» كونهما النقيض الوطني والمدافع الجديد عن السيادة المنتهكة !.
تضخم الورم السرطاني الايراني في تمدده في هياكل ومؤسسات لبنان الرسمية والمجتمعية، ومن ثم تضخم معه حزب الله حتى تحول دولة داخل الدولة في المرحلة الاولى وهذا بالطبع ممكنًا في ظل اختلال توازن القوى في المجتمع السياسي، إلا انه في المرحلة الثانية وبعد اغتيال الحريري وخلو الساحة من كاريزما جامعة بحجمه نبعت فكرة الاستحواذ على الدولة بالكامل عبر تكتيكات وضغوطات ساهمت بجعل ما هو لاممكن ممكنا في لبنان.
بدت شكليًا حكومة مستقلة ذات سيادة فيما الحقيقة تقول عكس ذلك فاختطاف القرارات وتعطيلها وفق اللحظة المناسبة تحول في يد حزب الله وبقوة السلاح حتى أصبح ذلك الحزب الشريك في الحكومة اللبنانية طرفًا في معادلة اقليمية تفوق حجم لبنان ودوره، تحول التمدد العسكري الحزبي الداخلي الى «امبراطورية صغيرة» تستمد قدراتها من امبراطورية أخرى أكبر تتوق لحلم الانتشار والهيمنة في المنطقة.
ذلك التمدد غير الممكن حسب الاعراف الدولية والمواثيق تحول الى ورطة واحراجا للدولة اللبنانية الرسمية امام المجتمع الدولي. دولة مهيضة الجناح.
بات التمدد والتدخل في شؤون الغير وخارج سيادة لبنان يزعج الجوار العربي من جهة ويورط موقف الحكومة اللبنانية الرسمية امام المجتمعين العربي والدولي لتلك التدخلات الفظة.
وكلما عجز رئيس الوزراء الحريري الخروج من الوحل السياسي اللبناني وجد نفسه محاطًا بذلك التمدد اللاممكن، والذي سلب منه حرية اتخاذ القرار اللبناني دون ضغوطات.
إزاء هذا العجز الداخلي والتكبيل المنظور وغير المنظور لتلك التدخلات في الشأن اللبناني كان عليه ان يفاجئ العالم برمته بقراره السري، الذي عجزت كل دوائر المخابرات العالمية التي عادة تتجمع في بيروت من القدرة على معرفته. ما خلق زعيقًا دستوريًا وسياسيًا في لبنان ليس الاستقالة بحد ذاتها، فهي لو كانت معلنة من السفارة اللبنانية في مقديشيو او باريس لهان الامر، ولكنها جاءت من الرياض فتمسك القوم بمفردات نص الرسالة الحرفي، وما هو ممكن فيها وغير ممكن، معقول او لا معقول في مسرح لبنان السياسي العبثي والمختطف، وتخلوا بخبث ودراية عن فحوى ومغزى اختيار الحريري للرياض أولاً بدلاً من باريس. تناسوا ان الرسالة الحقيقية كانت موجهة الى طهران بأن لبنان ورقة في معادلة الصراعات الاقليمية ولن تستفرد ايران لوحدها «بتفاحة» لبنان العربي، فهناك بلد عربي اقليمي كالمملكة معني به اليوم كما هو دائمًا، ولا يمكن عزلها عن مصير لبنان ومكانتها العربية.
تناسى الجميع الحقيقة والرسالة السياسية التي ارتكز عليها الحريري باختيار الرياض كلاعب اساسي، فلم نجد إلا ذلك الزار السياسي في لبنان المتباكي على «كرامة لبنان!» فيما الحقيقة تلك الكرامة مختطفة بالتدخل الايراني المعلن وغير المعلن، ولسان حال الامين العام لحزب الله لا ينكر في خطبه عن الدعم الايراني من الابرة للصاروخ وكل اشكال الدعم المتنوعة.
اختراع حجز الحريري وإقامته الجبرية هو ذلك اللاممكن في سيناريوهات ازقة بيروت، وحكايات أخرى تفتقت من مخيلة السياسي اللبناني، فوجدناه يحلق في سديم آخر خارج اللاممكن، فيما الممكن والواقع على الارض لا يصمد للشائعات المغرضة.
بعد ذلك نسأل هل هناك خط فاصل بين الممكن واللاممكن في استقالة الحريري؟

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها