النسخة الورقية
العدد 11145 الإثنين 14 أكتوبر 2019 الموافق 15 صفر 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    4:17AM
  • الظهر
    11:24AM
  • العصر
    3:43PM
  • المغرب
    5:11PM
  • العشاء
    6:41PM

كتاب الايام

التحرر من الوثوقية في الفكر... مخاطر الاستسلام لثقافة تهافت الفلاسفة

رابط مختصر
العدد 10466 الإثنين 4 ديسمبر 2017 الموافق 16 ربيع الأول 1439

سألني أحد الأصدقاء عن رأيي في أمر ما، فأجبته بعد تفكير: «من المرجع ان يكون الامر على النحو التالي...». وسردت له محتوى الترجيح. إلا أنه انزعج من الرد، لأنه كان يريده واضحاً قاطعاً نهائياً، فعقب قائلاً: أكره عبارات من نوع «من المرجح وقد يكون ومن المحتمل» التي معناها غير وثوقي، فالثقة من الإيمان والشك من الشيطان، وضعف الإيمان.!!
وباختصار خضت مع الصديق نقاشًا مريرًا حول علاقة الشك بالإيمان، إلا أن الامر انتهى بعدم قناعة الصديق بأن الشك يمكن ان يكون طريقًا الى الإيمان. وأني لم أكن في الواقع، أمتلك جميع الأجوبة الجاهزة للرد على السؤال، بل انه لم يكن مطلوبًا مني أن أقدم أجوبة قطعية ونهائية وحاسمة.
 أحالني هذا الأمر إلى الإشكالية التي تثيرها الثقافة الوثوقية، التي تهتم بالأجوبة الجاهزة وتتشب بها قناعة راسخة، ولا تهتم بالأسئلة، لأن أصحابها ومعتنقيها يخافون من الشك والترجيح لأن السؤال يمكن ان توقظهم من حالة السبات الفكري العميق.
إن الأسئلة في الفكر أهم من الأجوبة، لأن الأسئلة الحية الحيوية، تخرج الفكر من حالة الاستسلام والكسل، إلى حالة النشاط والوعي بتعقيدات الأشياء في التاريخ والحضارة والفكر الإنساني، ولذلك فإن من تعودوا على تبني القناعات الجاهزة والمطلقة على الصعيدين الإيديولوجي والعاطفي - أن مهمة الفكر الأولى هي طرح المزيد من الأسئلة وتحويل كل جواب إلى سؤال مثلما يقول الفيلسوف كارل يسبيز.
إن المشروع الفكري يرتبط بالدرجة الأولى بإنتاج ثقافة الأسئلة، نقيضا لثقافة الأجوبة الجاهزة والمسلَّمات الجاهزة، ولثقافة المسكوت عنه وثقافة محاربة الحق في الحيرة والدهشة والتساؤل الفلسفي.. خاصة إذا كنا نفعل ذلك يفعله بأفق واسع من التحليل العلمي الرصين، وبأسلوب وبلغة علمية وفي إطار تاريخي وثقافي.
يعيدني هذا الجدل الى المعركة القديمة حول علم الكلام، وكيف حارب وما يزال رجال الدين المحافظون هذا العلم والعمل على خنقه ورفضه وربطه بمفاهيم الزندقة والكفر. حيث كان نشوء وتطور علم الكلام تعبيرًا عن حاجة فكرية ضرورية، وتكريساً للحرية وللتعددية الفكرية. ولذلك عندما أقفلت الأبواب على مصادر العقلانية انكفأت الحياة وساد الجهل وطمست الحضارة وخرجنا من دائرة الفعل، وأنفقنا جل جهدنا في الإعداد للموت وكأنّ الإنسان خُلق ليموت لا ليعمل ويكدح حتى يلاقي ربّه.. وهكذا أخرجنا الدين من عالم الحياة، بعد أن كل لصيقاً بتفاصيل حياتنا، وجمدناه وأفرغاه من محتواه الحيوي، وزعمنا أننا بذلك نعظّمه، وأقمنا بيننا وبينه حواجز الخوف، وأطلقنا مقاليد الفعل لكل شيء ما ورائي إلا للإنسان، فاستحوذ علينا سلطان الخوف...
إن طريقنا إلى الحرية يمرّ حتماً عبر تجاوزنا للتصوّر الهرمي للعالم وللثنائية المفتعلة بين الفكر والمادة والروّح والجسد، وعبر إعادة الفعل للإنسان تجاه القدر والجبرية، وإعلاء سلطان العقل وجعله الحكم والفيصل في التمييز بين الخير والشر والحسن والقبيح وتجاوز الأشكال والظواهر إلى لبّ الأشياء لان الدين توحيد وعدل قبل أن يكون طقوساً وأحكاماً...
فالحرية تعني أن الحقيقة نسبية ومتطّورة، إذ الثبات قرين الجمود، والجمود عدو الحياة، فالحياة تدفقٌ مستمرٌ وتغيرٌ على الدوام، والديمقراطية تنبذٌ لحرفية التفسير الذي يؤدي إلى التقنين والتحنيط وتضييق الفسح وإلى تخطئة المخالف وتكفيره وإقصائه، بينما التأويل إمكانات متعددة احتمالات متناقضة ومتكاملة وتنوع متشابك، فلا مجال فيه للخط الواحد وللرأي الواحد.
إن التعصّب لا ينشأ إلا من الاعتقاد بإمكانية التوصل إلى حقيقة مطلقة نقية لا يشوبها الشك، فالوثوقية تؤدي إلى الديكتاتورية بالضرورة، وهذه الوثوقية هي التي تحاكم المثقفين والمفكرين بسبب تأويلاتهم الخاصة، فالذي لا يشك، لا يمكن له التواصل مع الآخرين، وأن يرى فيهم أقداراً متفاوتة من الصواب والخطأ، والذي لا يشك لا يمكن له ينقد نفسه أو يراجعها لأنه واثق من كل شيء، لأنه يعتقد أنه مبعوث من العناية الربّانية أو التاريخية لتخليص الناس شاءوا ذلك أم أبوْا، وبذلك يكون المخالفون لراية او حتى غير المتحمسين له ضالين بمعياره للهداية والضلالة، وتلك في العادة المقدمة الطبيعية لمحاكمة الفكر الحر، ومحاكمة المثقف عندما يتجرأ على أن يختلف مع السائد من الأفكار والقراءات والتأويلات الجاهزة والمنجزة والمنتهية، وتلك كارثة واستسلام لثقافة تهافت الفلاسفة.
إن دور المفكر يتمثل الكشف عن المعوقات الذهنية والعراقيل التاريخية والاجتماعية التي تعوق التقدم الفكري العربي وعلى كشف أوجه الخلل في الفكر العربي في تعامله من النص الديني أو مع التاريخين الإسلامي والإنساني، والعمل في ذات الوقت على طرح وإعادة طرح سؤال العقل الإسلامي، في شرطيه المعرفي والتاريخي، مثلما فعل الدكتور محمد اركون، حيث طرح على الثقافة العربية مهمة مقاومة النسيان والتغييب وإعادة بناء الذاكرة، كي يستقيم الموقف ويبطل الخلل، مشدِّدًا على علم الاجتماع التاريخي والأطُر الاجتماعية للمعرفة، محلِّلاً، في أسلوب نقدي، ما يحصل لنا تاريخيًّا، متقصِّيًّا التحديات التاريخية والفكرية والعلمية التي تجابهنا، والحافز الأكبر لدى أركون هو كسر الأغلال عبر المناهج التربوية الحديثة وأدوات المعرفة الدلالية والأنثروبولوجية بغرض الوصول إلى الحرية.

همس
تحت رذاذ مطير،
انفقت وقتي حالماً، من دون حلم.
كنت أمشي دون توقف ذلك المساء،
في كل مكانٍ، أينما مررتُ،
كنت أبحث عن غيابي،
أحملُ هذا القلب حبات من البرد.
للرعشات، بردٌ جاهزٌ.
صمتٌ يوقف كلَّ شيء.
صمتُ الطريق والذكريات.
حيث تصمت الكلمات...
وتنتهي.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها