النسخة الورقية
العدد 11146 الثلاثاء 15 أكتوبر 2019 الموافق 16 صفر 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    4:17AM
  • الظهر
    11:24AM
  • العصر
    2:42PM
  • المغرب
    5:10PM
  • العشاء
    6:40PM

كتاب الايام

مطارحات

معنى أن تكون مثقفًا... حوارات متقاطعة حول سلطة الحسِّ العام

رابط مختصر
العدد 10461 الأربعاء 29 نوفمبر 2017 الموافق 11 ربيع الأول 1439

سألني الصديق: ماذا يعني ان تكون مثقفا عربيا في هذه اللحظة الدراماتيكية من حياتنا، لحظة التوحش والكفر بالحياة، اللحظة التي فقدنا فيها حتى حسنا الإنساني؟
قلت: لن ادخل معك في جدل نظري حول مفهوم المثقف ودوره الإبداعي والإنساني والاجتماعي؛ فهذا جدل قديم (وقد يكون أصبح عقيما في ذات الوقت)، منذ تحدث أنطونيو غرامشي عن مفهوم المثقف العضوي المرتبط بالجماهير، الراغب في التغيير، والذي عليه أن يعمل من أجل هذه التغيير من منظور عقدي أيديولوجي، ما يجعل المثقف صاحب مشروع ثقافي، لن أقول ذلك، ولكن دعنا نعترف في البداية أن موضوع المثقف في سياقه العربي هو وليد إشكالية كبرى تدور حول وظيفته ودوره المفترض في علاقته بالمجتمع بمختلف مكوناته وما يعتريه من إشكالات جمة، تجعله في ورطة كبيرة، مخنوقا محاصرا عاجزا في أغلب الأحيان، يتحرك داخل مساحة ضيقة إلى درجة العدم. ولكن دعني استجلي المفهوم من منظوري الخاص في حدود المساحة المتاحة حتى لا نصل الى لحظة فقد الحسن الإنساني كما جاء في سؤالك. فأن تكون مثقفا عربيا هو أن تكون عربيًا في جميع الأحوال والفضاءات ومهما تغيرت الجغرافيا، هو أن تكون انت نفسك من دون ماكياج أو تزييف أو نفاق. فأن تكون مثقفًا هو أيضا أن تكون محبًّا للحياة مؤمنا بإرادة الحياة وطاقة الانسان على الاحتمال والتغيير والتنوير.
أن تكون مثقفا هو أن تكون كاتبًا وقارئًا في أي مساحة متاحة حتى في المقاهي وعلى الأرصفة. هو أن تكون منفتحًا على الكتّاب الغربيين، بقدر عشقك للجاحظ والتوحيدي وابن الفارض والمتنبي والكندي وابن المقفع، أن تربط بين المغرب والمشرق، وبين الغرب والشرق. وفي النهاية أن تكون مؤمنا بهويتك رؤية وحلما وقناعة وثقة.. ولكن وقبل كل ذلك مؤمنا بالإنسان والإنسانية. فعندما أسير في هذه الشوارع وأرى كل تلك الوجوه العدنانية والهجرية والتميمية، والكنعانية، وأولئك الفينيقيين والبربر والترك، والكرد والزنج والعجم، فلا أرى إلا الإنسان يلفه المكان والنور والظلام والنسيان في رحلة الهواء والهراء الطائفي. فهذه الطوائف لم تستقل بثقافاتها سوى لإيقاظ الحروب. لم تستثمر بعد لبناء ثقافة متعددة قد يحسدنا عليها العالم لم يحدث تقدُّم كبير.
قال: ألا يدفعك هذا الى التجديف ضد تيار الهراء والانعزالية، في مواجهة الأفكار الراسخة واسعة الانتشار؟
قلت: الصدق فيما نكتب وفيما نقول لا يعني أن نركب معاني الوقاحة والتبجح والادعاء والبذاءة التي توسع المسافة بين المثقف والمجتمع الذي يحيا فيه. فالنزاهة فيما نكتب تعني فيما تعنيه كسر قشرة اللياقة المزيفة، ولكن إذا ما توكَّلنا على سلطة الحسِّ العام (بما في ذلك الحس الطائفي المغلق المنغلق على ذاته التدميرية)، يمكن لنا اتخاذ موقف مُعارِض للرأي العام نفسه دون خدشه أو تحقيره أو الهزء منه. أي أنك تنقده من داخل المنظومة وليس من خارجها. لأننا شركاء في القيم المشتركة والتقاليد الراسخة، بما فيها المهترئ والسلبي والسوداوي والانعزالي، وجميعها تحتاج إلى جهد وصدق لتغييرها تدريجيا من دون قفزات بهلوانية في الهواء.
هذه هي الرسالة التي أرى أن على المثقف أن يضطلع بها بتلطف كبير، وأن يمرِّرها فيما يكتب وفيما يرسم وفيما يقول. ولكن من دون أن يؤدي ذلك إلى الصدام مع الحس العام المشحون المتوتر في ظل الحروب والمواجهات والكوارث الطائفية التي يستباح فيها وخلالها الحياة والانسان معا.
وهذا، ولا شك، يستدعي منا ما يشبه روح الطفولة التي توحِّد العالم. فتحرير روح الطفولة فينا مهمةٌ أساسية في أي عمل إبداعي أصيل، بل إن مدار بقائنا يتوقف على قدرتنا على تحرير الطفل الداخلي فينا؛ وهذا قطعًا واحد من الأسئلة الأهم في عصرنا.
قال: لماذا يهرب بعض المثقفين من الإبداعي إلى السياسي فيما تكتبون؟ قلت: العلاقة بين الإبداعي والسياسي وطيدة من أقدم الأزمة، ولكنني مع ذلك، لم أعد أؤمن بأدب القضايا المباشرة، لأني المثقف ليس كاتبًا في منظمة العفو الدولية ولا في المنظمة العربية لحقوق الإنسان، ولذلك لا أحب الشعر المناضل الفج. ولا الرواية المناضلة الفجة، لأنها تشبه «المارشات» العسكرية في أغلب الأحيان. فالإبداع مثل الحياة، لا يكون إلا حرًا متجددًا بلا قيود، وبلا التزامات أيديولوجية مباشرة، وإلا تحول إلى خطاب سياسي، فأصول الكتابة تكمن في الحرية الداخلية. ولذلك نرى الذين يكتبون الخطاب السياسي المباشر من المبدعين، قد يكونون أكثر صدقا من الذين يحولون الإبداعي إلى خطاب سياسي مباشر. لأن الأول يناور من خلال خطاب سياسي يتلبس الابداع والثاني، يمزق القناع ليصل إلى الهدف مباشرة من دون أقنعة.

همس
الحب هو أكثر تجارب الحياة مساسًا بإنسانية الإنسان تمامًا مثل الوجود والعدم، فما الحب إلا انتصار على النوع والجنس اللذين يخلوان من التفرد والفردية. وعندما يكون الحب قويًا، فإنه يتصف بعمق يمكن أن يصِل إلى اللانهائية. أما الموت، فقد يكون انتصارًا للحب والتضحية بالذات. والإنسان يشقُّ عليه أن يواجِهَ سرَّ الموت، ولكنه يدرِك في نهاية الأمر أن الموت ينطوي على سر فريد هو الحب النابِع في الحياة الأبدية. ولذلك فالحب والموت لا ينفصِلان، غير أن الحب يبدو أقوى من الموت ولهذا يستمر بعد الموت الاتصال الروحي بهؤلاء الذين نحبهم، لأن الإنسان يتحرر لحظة الموت من ملامحِه الفظَّة القبيحَة المراوغة.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها