النسخة الورقية
العدد 11036 الخميس 27 يونيو 2019 الموافق 24 شوال 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    3:13AM
  • الظهر
    11:40AM
  • العصر
    3:06PM
  • المغرب
    6:34PM
  • العشاء
    8:04PM

كتاب الايام

كيف نواجه الإرهاب والتطرف بالإعلام؟؟

رابط مختصر
العدد 10457 السبت 25 نوفمبر 2017 الموافق 7 ربيع الأول 1439

مع ازدياد وكثافة العمليات الإرهابية التي تتعرض لها كثير من المدن العربية، يشيع البعض أن المواجهة الأمنية والعسكرية هي الوسيلة الناجعة الوحيدة للقضاء على ظاهرة الإرهاب والجماعات المتطرفة التي تنشر الأفكار التكفيرية والعنف وتغري الشباب على الانضمام إليها عبر كافة وسائل الإغراء سواء الدنيوية أو بالحور العين في الجنة، ويتناسى هؤلاء أن للإعلام دور الفعال في محاربة الفكر المتطرف..
وبما إننا نواجه حربًا ضروسًا من الإرهابيين، فالإعلام في وقتنا الراهن يعد من أهم الأسلحة في إدارة القضايا الفكرية ومواجهة الإرهاب، وطبيعي أن يكون الإرهاب ضمن المعارك الفكرية الدائرة بين القيادات الدينية في الدول الإسلامية وبين الإرهابيين بخلاف أنواعهم وانتماءاتهم، ثم أن الإعلام ربما يكون الوسيلة الوحيدة في حشد الرأي العام في أي دولة نحو قضية بعينها، ليكون رأياً إما مؤيدًا لما تطرحه هذه الدولة ومعارضًا لأعدائها، أو العكس.. ومن هذا المنطلق تدور الحرب الإعلامية بين أي دولة وبين الإرهابيين الذين يحاولون المساس باستقرار هذه الدولة، ورأينا هذا في منطقة الخليج مثل البحرين والسعودية والكويت، ولم تسلم الدولة المصرية من هذا الإرهاب الذي يضرب بكل قوة في أركانها سعياً للنيل من منها.
وبالتالي، فأمام الإعلام وظيفة رئيسية في هذه الحالة، وعليه أن يكون كاشفاً للواقع ومنيراً للجمهور، بمعنى أن يكون إعلامًا رشيدًا ليبني المجتمع بناءً مستقرًا، وإعلامًا يتجنب الإثارة وبث الفتن والتحريض ضد الدولة، إعلاماً يقاوم شائعات مواقع التواصل الاجتماعي التي يسيطر عليها الإرهابيون في صورة جماعات منافقة تظهر عكس ما تبطن بهدف أن يصدقها الجمهور غير الواعي. ونرى تلك الإشكالية في الدول التي تواجهة الحملات الإرهابية التي يحاول قادة الإرهاب هدم المجتمعات لخدمة أفكارهم الشيطانية. فتلك المواقع المشبوهة لا تتوانى عن تحقيق هدفها ومساعيها لهدم الدول، ومن هنا يكون أمام الإعلام بأبنائه المخلصين أن يبصر الرأي العام بقضايا وطنه ليكون رأيًا قويًا مناهضًا للفكر المتطرف يستطيع مواجهة مخططات الإرهابيين.
ومن هنا نقول إن الإعلام ليس مجرد وسيلة تنتهجها الدولة في مواجهة الإرهاب، ولكن الإعلام له دور أكبر من هذا بكثير، فإدارة الدولة ربما لن تجدي أو تصل لنتائج ذات أهمية، ولكن على الإعلاميين أنفسهم بحكم خبرتي الطويلة في عالم الإعلام، أن يتبنى الإعلاميون في كافة أرجاء الوطن العربي آليات فعالة للانتصار في محاربة الإرهاب، ولهذا نقول إن الإعلام الموضوعي أو الإعلام الرشيد هو الآلية الوحيدة لتحصين الرأي العام ضد الكتائب الإلكترونية التي تتبنى الإعلام المضاد الذي يحرض الشعوب ضد قياداتها.
فلدى كل جماعة أو تنظيم إرهابي العديد من الكتائب الإلكترونية التي تتبنى وسائل عدة لهدم وزعزعة المجتمعات، منها تشويه الحقائق وتعظيم الخونة والترويج لمخططات الأعداء، وهو ما يستلزم تحذير الرأي العام من الانسياق لما تبثه هذه الكتائب الشيطانية التي تسيطر على معظم وسائل التواصل الاجتماعي وتبث مقاطع مرئية وسمعية وجمل قصيرة وتوزعها على ملايين المشاركين في دقائق معدودة.
والإعلام الذي نتحدث عنه ونريده هو إعلام يساهم في تهيئة الطريق أمام قيادات الدولة ويبرز الإنجازات ويقترح الحلول اللازمة لأي أزمة سواء حالية أم مرتقبة، وهو الإعلام الذي يظهر للحكومات والشعوب نواحي الإخفاق في مواجهة أي قضية معروضة للنقاش العام. والإعلام الحر هنا يعي أبعاد المصلحة الوطنية ويتناولها بموضوعية وحكمة، ثم عليه أن يسمو فوق النزاعات والشخصنة حفاظاً على الموضوعية التي ننادي بها. ثم إن الإعلام الناجح هو الذي يرتب أولوياته في كل مرحلة، وفي وقتنا الراهن نعتبر أن مواجهة الإرهاب هي القضية الرئيسية في المجتمعات العربية، وبالتالي يشارك الإعلام بقوة مع الحلول الأخرى ومنها الأمنية والعسكرية والفكرية والثقافية والنفسية والاجتماعية ولا يقل دوره عن هذه الحلول، التي تؤدي جميعها الى البناء ومواجهة العنف والتطرف.
وقد أشير هنا الى واقعة محددة أثارت اللغط في مصر وهي إجراء حوار تلفزيوني مع أحد الإرهابيين المشاركين في عملية إرهابية ضخمة بمنطقة الواحات قبل فترة ولكن قبض عليه في وقت لاحق.. فالمصريون ومن بينهم الإعلاميون انقسموا حول فكرة الحوار ذاته، فمنهم من اعترض لأن الحوار منح الإرهابي وسيلة إعلامية لنشر فكره، فيما ركز المؤيدون على ضرورة فضح الإرهابيين أمام المجتمع ليدرك مدي الفكر المنحرف والمتطرف الذي يتبنونه له، وهو فكر مغلوط لا علاقة له بالإسلام.
لقد تابعت مجريات الحوار وما تبعه من جدل عن قرب وتوصلت الى رأي مفاده أن النشر المكثف عن الإرهاب ربما يؤدي إلى مزيد من الإرهاب، لأن الجماعات الإرهابية وأنصارها الفعليين والمحتملين يتعطشون لمثل هذا النشر، فهم لا يهتمون سوى بلغة الدم، وربما يعتقدون أن النشر الكثيف عن العمليات الإرهابية سيرهب المجتمعات. لكن الخطورة هنا هي أن تلك الجماعات المتطرفة تسعى لاستغلال نهم الإعلام لنشر أخبارها وأفكارها وعملياتها الإرهابية، فتضاعف من تلك العمليات بما يزيد من عدد الضحايا - قتلى ومصابين - بما يحقق هدفهم من العنف، بما يدفع الشعوب الي مطالبة قادتها الى مصالحة الإرهابيين والتفاوض معهم.
ربما يفهم البعض أنني من مؤيدي هذا الرأي، أي عدم تطرق الإعلام الى العمليات الإرهابية، ولكني من أشد المؤيدين لتكريس الإعلام وتسخير كل امكانياته في مواجهة هذه الآفة اللعينة التي تضرب مستقبل الشعوب، ولكن بدون أن ينزلق الإعلام في نشر ما يرضي غرور الإرهابيين وعطشهم الى إراقة الدماء. فالسبق الإعلامي الذي تدعيه بعض وسائل الإعلام وخاصة الأجنبية يكون مضرًا للغاية خاصة أن بعض هذه الوسائل لا تخضع للمعايير المهنية والإخلاقية في المجتمع الذي تعمل فيه ولكن لا يهمها سوى إرضاء الدول التي تنطلق منها. ففي واقعة الحادثة الإرهابية التي شهدتها منطقة الواحات المصرية والتي سبق وأشرت إليها، تسابقت وكالة أنباء عالمية وقناة أخبارية أمريكية شهيرة في نشر أرقام مغلوطة عن عدد ضحايا تلك العملية في صفوف الضباط المصريين، وبالغت بشدة في الأرقام مما منح قيادات الإرهابيين الفرصة للمباهاة بعمليتهم الشيطانية وبث روح الانكسار في صفوف المصريين وإظهار أن الإرهابيين يملكون زمام الموقف أمام الشرطة والجيش المصريين.
وقد أخطأ الإعلام الدولي في هذه الحالة لأنه المورد الطبيعي للكتائب الإلكترونية للتنظيمات الإرهابية وبقية مواقع التواصل الاجتماعي المغرضة، ولهذا نقول هنا إن هذه المعالجة الإعلامية للحدث خاطئة تماما وتضر المجتمع وتنال من عزيمته وروحه المعنوية مقابل رفع الروح المعنوية للإرهابيين وأنصارهم من عديمي الإنسانية.
ندرك تماماً أن مطالبة وسائل الإعلام الغربية بوقف بث أخبار الإرهاب في بلداننا ومجتمعاتنا يعد ضرباً من الخيال، ولكننا نطالبها بضرورة توخي الدقة والاعتماد على الأرقام الرسمية وعدم المبالغة في نشر أرقام الضحايا من جانب القوى الأمنية، هذا رغم يقيننا بأنه من الصعب على مثل هذه الوسائل الغربية الالتزام بالمعايير الإعلامية المهنية نظرًا لطبيعة عملها على سرعة نشر الخبر. وهذا بالمناسبة ما وقعت فيه قناة الجزيرة القطرية عندما كانت تسارع ببث أشرطة فيديو غير موثقة عن مظاهرات ضد الحكومات العربية إبان فترة اندلاع الفوضى في تونس ومصر وسوريا وليبيا واليمن، فكانت القناة تبث مقاطع مزيفة بما يوحي للمتلقي أن هذه الدولة أو تلك انهارت تماماً أمام جحافل المتظاهرين، في حين أن الواقع أثبت كذب كل ما بثته.. ليكتشف الجميع في وقت لاحق حقيقة الأجندة السياسية والإعلامية لقناة الجزيرة وهدفها في نشر الفكر المتطرف والإرهاب في العالم العربي وإثارة الفتن وتقويض سياسات بعض الدول المتضررة من المظاهرات والمطالب الفئوية بالإرهاب.. ثم اكتشف العالم أجمع أن تلك القناة كانت سبباً مباشرة في ترويج الفكر المتطرف لقادة تنظيم القاعدة وبقية التنظيمات الإرهابية التي انشقت عن القاعدة مثل «داعش» و«جبهة النصرة» وغيرهما.
 نحن أمام معضلة حقيقية، إذا تطرقنا الى دور الإعلام في مواجهة عمليات العنف والتطرف والإرهاب بكافة أشكاله سواء فكري أو عملياتي، فالمطلوب ألا يسخر الإعلام أدواته للترويج لفكر التنظيمات الإرهابية وتجنيد المتعاطفين مع أفكارها. ومن هنا، فالمطلوب هو التركيز على الدور التنويري للإعلام في مواجهة الإرهاب والعمل على تعريفه الدقيق وتشخيصه لتلك الظاهرة عبر استعراض أراء كافة المشاركين في عملية المواجهة من علماء دين وخبراء أمنيين ونفسيين واجتماعيين ومثقفي ومفكري المجتمع، بهدف سرعة القضاء عليه. ولعل من الأهمية بمكان التركيز على علماء الدين هنا، فليس المطلوب استضافة أي عالم يحمل درجة علمية رفيعة في مجال الدعوة أو الحديث وخلافه، ولكن يكون المتحدث في هذه الحالة على علم تام بكافة علوم الدين ليدحض للمتلقي كل الأفكار المتطرفة التي يتبناها الإرهابيون، لأن المواجهة الدينية والفكرية والثقافية لا تقل أهمية عن المواجهة الأمنية، بل مواجهة الفكر المتطرف بالفكر المعتدل الوسطي تسبق ما عداها من مواجهات. وإذا تمكنت وسائل الإعلام من استضافة علماء دين أقوياء، سيكون في استطاعتهم تفنيد تأويلات الإرهابيين للنصوص القرآنية، واستغلال تفسيراتهم الخاطئة لها في أعمال القتل والذبح والاستغلال غير الإنساني للرهائن غير معتنقي الإسلام وتعذيبهم. وبالإضافة الى تفنيد الاستغلال الخاطئ لتفسيرات بعض الأحاديث النبوية وإخراجها من مضمونها المعنوي والتركيز على المعني اللفظي، على وسائل الإعلام استضافة علماء الاجتماع والنفس لتشريح عقلية الإرهابيين، بهدف المساهمة في منع تعاطف الآخرين معهم والانضمام للتنظيمات الإرهابية سواء بالمشاركة الفكرية أو العضوية.
إجمالاً، على الإعلام أن يتناول كافة أبعاد ظاهرة الإرهاب بطرق فقهية وعلمية واجتماعية وأمنية وثقافية وفكرية وعدم الاكتفاء بدور واحد فقط، فكل الأدوار مكملة لبعضها في عملية مواجهة الفكر المتطرف، وعلى الإعلام أيضا الاستفادة من تقنيات الإعلام الحديث في بث المعلومة بهدف التأثير على الرأي العام وتوعيته وتوجيهه وتنمية العقول والأفكار.
وفِي هذا الصدد فإن مبادرة معهد البحرين للتنمية السياسية بتنظيمه مؤتمر دور الاعلام في مكافحة الارهاب في مطلع الشهر القادم سيكون فرصة للإعلاميين المشاركين فيه لطرح رؤاهم وتبادل الاّراء حول أنجع الطرق لمجابهة الارهاب والتطرف.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها