النسخة الورقية
العدد 11119 الأربعاء 18 سبتمبر 2019 الموافق 19 محرم 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    4:04AM
  • الظهر
    11:32AM
  • العصر
    3:00PM
  • المغرب
    5:40PM
  • العشاء
    7:10PM

كتاب الايام

ماذا عن العبودية المذهبية؟!

رابط مختصر
العدد 10454 الأربعاء 22 نوفمبر 2017 الموافق 4 ربيع الأول 1439

 حدثتني بعينين دامعتين وهي تريني صورة لمجموعة من البشر قدمت من بلدان مختلفة بأفريقيا إلى ليبيا وهم من الذين حلموا بالهجرة إلى أوروبا على أمل تحسين أحوالهم المعيشية والانتقال إلى حالة إنسانية بمعايير أجود من تلك التي يتوافرون عليها في بلدانهم، فإذا بهم يقعون في الاحتجاز، ويحشرون في أقفاص بطريقة يندى لها الجبين، قائلة «أين الإعلام عن معاناة هؤلاء البشر؟! أيعقل أن تعود تجارة الرقيق بعد كل هذا الذي حققته الإنسانية من تطور في الحياة الاجتماعية وما يحكمها من تشريعات مدنية؟!»، وأضافت «أخشى أن تعود هذه التجارة إلى بلداننا؛ لأن بلداننا العربية لديها قابلية شديدة لانتشار عدوى الممارسات السيئة، ولعل ظهورها من جديد في ليبيا يعطي مؤشرًا على ذلك.

اكتبوا عن هذه المأساة الإنسانية لتقف عند حدودها مأساةً قبل أن تتحول وتنتشر كظاهرة». طال حديثها وقد كان في غاية الإيلام حقًا.

 حديث كهذا حدا بي إلى أن أعود لمشاهدة ما انتشر في وسائل الإعلام ومواقع التواصل الاجتماعي من مشاهد تُدمي القلب وتثير أكثر من سؤال عن أسباب هذا الانحدار الفظيع الذي آل إليه الإنسان في بلد أدمته الحروب والفتن والمؤامرات الدولية وحولته إلى ساحة مفتوحة تتصارع فيها قوى شتى عن بعد.

حاولت التركيز في تفاصيل الصورة؛ لأقف على مواقع الألم فيها وأبني عليها حديثي، ومن ثم كتابة مقالي هذا بعيدًا عن نمطية خطابية قد تثيرها مشاعر الألم التي لا أظن أحدًا بمنأى عنها ما إن يشاهد سقوط الإنسان الأخلاقي المدوي وعودته إلى أزمنة خلناها قد ولت من دون رجعة، وتلبية لطلب أجد أن له قيمة المحفز إلى تحليل واقعة مأساوية يُخشى من تحولها إلى ظاهرة مجتمعية.

 كنت مشدودًا إلى تأمل الحالة الإنسانية المتمثلة في الصورة الصادقة والمريعة، كما أنني لم أستطع إهمال الحس الإنساني المرهف المتفاعل مع تلك الصورة.

لم أهمل حس محدثتي الإنساني، وفي الوقت عينه لم أستطع أن أخفف عنها، بل أحسب أن مشاعرها قد جرفتني لأكون عاملًا من عوامل زيادة أوجاعها عندما ذكرت لها أن للرق واستعباد البشر أشكالًا متعددة متنوعة وجئت لها بأمثلة تؤكد ما ذهبت إليه حين حدثتها عن الاستعباد والاسترقاق اللذين تتعرض لهما جماعات بشرية كثيرة في بلداننا العربية، تحت ذرائع شتى منها المذهبي والإيديولوجي.

فصورة بيع الأزيديات بالمزاد العلني لم تتقادم بعد، ولاتزال حية تحفر ضمائرنا ووجداننا لهول ما آل إليه العراق بعدما أُعملت فيه معاول التفتيت المذهبي والطائفي.

كما أن الأخبار المزرية التي تتداول في الإعلام عن أن قطر أصبحت وجهة للإتجار بالبشر بسبب المهانة وسوء المعاملة والموت المجاني الذي تتعرض له العمالة الأجنبية هناك، صورة أخرى من الصور غير السارة التي تفضح واقعنا العربي.

ذكرت لمحدثتي بأن حديثًا كهذا قابل لأن يتحول إلى قاعدة تعمم على كل تفكير مذهبي ميليشياوي تتساوى فيه «داعش» والحشد الشعبي وغيرهما من الميليشيات المتناسلة من رحم الإسلام السياسي هنا وهناك في أرجاء وطننا العربي.

حدثت بهذا وفي الذهن حالة ميليشياوية أخرى قدّرت أنها الأخبث والأخطر في آن، إنها حالة «حزب الله» المليشياوي، فمنذ تأسيس هذا الحزب في ثمانينيات القرن الماضي، وتحديدًا منذ منتصف العام 1984، وخاصة عندما اختار مسمى «حزب الله» ليوغل في استثمار الدين، وهو يستعبد الناس، موظفًا شعبية اكتسبها على خلفية مخادعة الجماهير بأنه وجِدَ لمقاومة إسرائيل، شخصيًا لم أرَ أقبح من مشهد أفراده وهم ينضوون تحت راية الحزب الصفراء، بجباه معصوبة بخرقة من قماش أصفر، لم أجد فيها غير وسم رمزي لجباه صودرت من أصحابها العقول.

 الحقيقة إن مشاهد كهذه تجعلني لا أرى في منتسبي «حزب الله» إلا عبيدًا يوظفهم الحزب للدفاع عن إيران ومصالح إيران لقاء مقابل مادي يتقاضونه.

ولا أفرق بينهم وبين أولئك المهاجرين الأفارقة، فكلاهما قاده حلم بواقع أفضل ليقع تحت براثين من لا يرحم من النخاسين.

ففي مطلق الأحوال لا فرق بين هذا وذاك، فحبيس المذهب أو الإيديولوجيا هو نفسه حبيس الأقفاص، كل منهما ممتهنة كرامته، مسلوبة إرادته رغم أنفه.

وعلينا جميعًا مهمة تحرير هؤلاء وأولائك من خرافة نشر المذهب والإيديولوجيا أو الدفاع عنهما، وتخليص الاثنين من عبودية الجشع المادي الذي يبيع الناس جهارًا أو بقناع المذهب والدين، لأن في كليهما ضروبًا من استرخاص إنسانية الإنسان.

 تُخبرنا وقائع التاريخ أن استعباد البشر والاتجار بالرقيق قد كان تجارة رائجة ومتأصلة في ممارسات الشعوب القديمة في الامبراطورية الرومانية، ولم تظهر أصوات منتقدة لها إلا في القرن السادس عندما ظهر الإسلام، وشجع على تحرير الرقاب.

غير أن الوضع عاد إلى سابق عهده، وأكثر حدة، في القرن الخامس عشر، فمارسته دول كبرى بمقاييس ذلك الزمان، مثل البرتغال وإسبانيا وانجلترا وفرنسا والدنمارك..

وكان الركض وراء الربح والعقليات العنصرية سببًا من أسباب رواج تلك التجارة التي هجرت ملايين من السود إلى العالم الجديد ليمتهنوا في المزارع والمناجم وشتى الأعمال الشاقة التي ساهمت في بناء المارد الأمريكي الذي كان من آخر الدول التي ألغت العبودية ومنعت تجارته بنص دستوري صدر في العام 1865، ورغم ذلك بقيت رواسب التمييز بين البشر هناك مستمرة كتقليد اجتماعي وممارسة سياسية إلى أن ظهر مارتن لوثر كنغ صوتًا حرًا رافضًا هذا الواقع المزري ومتزعمًا لتيارٍ مدني طالب بإنهاء التمييز العنصري ضد السود في عام 1965 عندما صدر قانون الحقوق المدنية.

هذه الومضة التاريخية أردتها تذكيرًا بأن الجشع والمصالح العاجلة كانت إلى جانب العقيدة العنصرية سببًا رئيسًا لهذه المأساة التاريخية التي نجدها تتكرر بالدوافع نفسها لتُفاجئنا بأن لا شيء تغيّر لدى العديد من البشر الذين فقدوا حس المدنية والإنسانية.  إن للعبودية والرق مظاهر شتى في عالمنا الحاضر، ويبدو لي أن من أوضحها تلك التي تنقلها لنا وسائل الإعلام، سواء كانت تلك المشاهد التي تناقلتها هذه الوسائط مثل الصورة التي أثخنت مشاعر محدثتي إيلامًا، وقد أشرت إليها في أول المقال، أو تلك التي تُحدِثنا عنها الأحزاب الإيديولوجية أو المذهبية كـ «حزب الله» مثلا، أو غيره من الأحزاب والتنظيمات كـ «داعش» و«الحشد الشعبي»، فهي كلها تنظيمات أو تشكيلات إرهابية منغلقة دوغمائية تعيث بنا قتلًا وتدميرًا لحساب الإقطاعيات الدينية التي تتحكم في إيران وشعبها في شكل آخر من أشكال الاستعباد والاسترقاق.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها