النسخة الورقية
العدد 11146 الثلاثاء 15 أكتوبر 2019 الموافق 16 صفر 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    4:17AM
  • الظهر
    11:24AM
  • العصر
    2:42PM
  • المغرب
    5:10PM
  • العشاء
    6:40PM

كتاب الايام

لبنان في وجه العاصفة..

إنقاذ اللبنانيين من العيش داخل احتمالات الموت

رابط مختصر
العدد 10454 الأربعاء 22 نوفمبر 2017 الموافق 4 ربيع الأول 1439

لماذا يثير لبنان كل هذا الاهتمام وكل هذا اللغط وهذا القلق على الصعيدين العربي والدولي؟

لبنان هو الساحة العربية التي تتقاطع فيها أغلب الإشكاليات التي يعاني منها العرب، فهو فضاء التنوع والتعايش والتجاذب والصراعات في ذات الوقت. فهو دولة المواجهة الوحيدة المتبقية وهو في ذات الوقت مخترق بسياسات دولية وإقليمية، ولذلك يحاول بصعوبة ان يتعايش معها وان يخرج من تحت عباءتها في ذات الوقت.

لبنان الذي عاش أسوأ حرب أهلية عربية بين مكوناته خلال أكثر من 15 عامًا، حتى أنقذه منها اتفاق الطائف، يعرف أكثر من غيره ماذا تعني الحروب الاهلية وماذا يعني إدخال لبنان في الصراعات!

لبنان.. اخترقت إيران جزءًا مهمًا من مكوناته وحولته الى ميليشيا عابرة للحدود، تخوض حروبًا بالنيابة عنها وعلى حساب لبنان واستقراره ووحدته ونمائه. إذ تحول حزب الله داخل البنيان اللبناني إلى مشكلة سياسية وعسكرية وامنية في ذات الوقت. فإيران التي تخوض حروب التوسع والسيطرة تجد في حزب الله ذراعها العسكري الملشياوي لإخضاع لبنان ومواقفه للتدخل في سوريا والعراق واليمن، وغيرها من المناطق، فيتصرف وفقًا للتوجيهات الإيرانية، لتؤثر به على محرار السياسية الإقليمية، باعتباره ميليشيا خارجة عن القانون لا تعبأ بالقانون الداخلي اللبناني او الدولي. 

هذا الوضع الشائك غمر السياسة اللّبنانية بنوع من الشلل البنيوي الذي كثيرًا ما عطّل كلّ الشرايين الحيوية للمجتمع والاقتصاد، لأنه يسهم في إعادة التشكل وفق الاصطفافات الجديدة القائمة على الميدان وموازين القوة (المادية) وليس السياسية، والقوة العددية الطائفية وليست القوة القائمة على القدرة على الإقناع.

دراماتيكية المشهد - إضافة الى الدور المتعاظم لحزب الله وسلاحه - تتعزّز بالحصيلة الكارثية لمسار المواجهة التي أوقعت لبنان كاملاً على حافة الحرب الأهلية الشاملة، فكلّ ما حصل كان على حساب المدنيين الذين دفعوا ثمنه من أمنهم وأجسادهم وحقوقهم الدّنيا في الوجود حتى والعيش الكريم الآمن، وهذا ما يدفعنا إلى السؤال: كيف يدخل بلد خارج لتوّه من مواجهة كبرى مع إسرائيل في أزمة سياسية خانقة وازدواجية سلطوية غير مسبوقة وغير منطقية ولا مقبولة؟ الحكومة الشرعية استقال رئيسها لأنه اكتشف - رغم جميع التنازلات والتوافقات - أن لبنان محتل بصورة أو بأخرى من حزب الله الذي يتصرف خارج سلطة الحكومة الشرعية يخترق الحدود ويحرك الجيوش الخاصة به، يعقد التحالفات ويدخل ويخرج وكأنه لا دولة ولا جيش. وأمينه العام يتصرف ويتكلم بلغة أعلى من لغة رئيس الدولة ورئيس الوزراء غير عابئ بالجميع. حكومة الحريري التي ولدت بصعوبة بالغة وبجهد جهيد وجدت نفسها أمام حقيقة تعرفها مسبقًا، ولكن ربما لم تدرك جيدًا حجم التغلغل وحجم التأثير الضاغط لحزب الله الذي يبدو انه لا يريد أكثر من حكومة ذات طبيعة إدارية تصرف الاعمال اليومية والشؤون البلدية، أما الأمور الأخرى فإن الذي يقررها بالقوة هو حزب الله. تلك الحكومة سعت إلى أن يكون لبنان دولة بمقومات دولة، فوق الأحزاب والرايات والطوائف، دولة مؤسسات تحتكم إلى المؤسسات. ولكنها وجدت نفسها غير قادرة على تنفيذ ما تصدر من قرارات.. فلماذا تصدر مثل هذه القرارات إذن؟.. مبدأ النأي بالنفس الشهير الذي يكرره رئيس الحكومة ورئيس الجمهورية رسميًا لا يعبأ به حزب الله وحلفاؤه. وهذا يذكرنا بالمرحلة السابقة التي كانت فيها المعارضة تأمر الحكومة بإلغاء القرارات أو تستعد لمواجهة الويل والثبور، وبعد دقائق من التهديد يتم احتلال الشوارع والطرقات والسيطرة على كل شيء تقريبًا حتى على الأعلام.

هذه الحكاية اللبنانية مثال حي على عمق أزمة السلطة وأزمة المجتمع في آن، وتجاوز الخطوط الحمر التي تمنع من الوقوع مجددًا في أتون الحرب الأهلية، حيث لكل طرف خطوطه الحمراء التي دونها الدم والنار. ولكل طرف روايته للتاريخ وتأويله لمسارات الصراع على الأرض، والروايتان تخرجان بالإحالة عن خارج الدائرة اللبنانية.

ذلك هو المأزق الذي لا فكاك منه، ومع ذلك ما يزال البعض يصرّ على تعليق كلّ الأزمات والانهيارات على شمّاعة الصّراع العربي الصّهيوني، أو على غيره من الأطماع والصراعات، ولكن لا أحد تقريبا يواجه الحقائق كما هي طالما انها تحيل كل شيء إلى مرجعية المؤامرة. وإذا كان النأي بالنفس عن الخوض في غمار الصراعات الإقليمية مبدأ حكيم بالنسبة للدول الصغيرة على الاثل، فلماذا يتم تجاوزه وتجاهله؟ وإذا كان معنى الدولة لا يستقيم اسمًا ومضمونًا دون سيطرة الدولة على كل شيء، بما في ذلك السلاح.. فلماذا نرفض ذلك؟ وإذا كان أمن لبنان ووحدته واستقراره أساسه التوافق بين التيارات والرؤى، فلماذا يتعطل ذلك؟؟

أسئلة قد لا يجيبنا عنها زعماء الخطوط الحمراء، لأنها تقع في دائرة ثقافة المؤامرة التي أطبقت على الرقاب منذ نكبة 1948. باسمها تأجّل حلم الحرية لعقود من الزمن، وباسمها استبيحت دماء بريئة وأغلقت منافذ على الفكر والتعبير، وباسمها تتأسس كلّ يوم فرقة جديدة تعلن الوصاية على البشر والحجر والحقيقة والوهم والحلم والمأكل والملبس والحلال والحرام. باسم هذا الصراع نبرر كل شيء: قتل الأبرياء حرق البلد واغتيال (العملاء)، واجتياح المدن والقرى، والاستنجاد بالخارج. 

لم يبقَ سوى ان نتمنى ان يستجمع الاخوة اللبنانيون ما تبقى من عقل داخل مساحة توافق وطني حقيقي، يمكن الدولة من ان تكون دولة كاملة الحقوق والواجبات، علهم يتمكنون من مواصلة التفكير فيما يمكن أن يسمح لهم بواصلة الحياة خارج الأسلاك الشائكة وخطوط التماس والفواصل بين الطوائف في وطن لا يستطيع التنفس برئة واحدة.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها