النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 11695 الخميس  15 ابريل 2021 الموافق 3 رمضان 1442
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%
  • الفجر
    3:53AM
  • الظهر
    11:38AM
  • العصر
    3:09PM
  • المغرب
    6:01PM
  • العشاء
    7:31PM

كتاب الايام

«خطاي نحو الشرق».. إضافة جديدة إلى المكتبة الخليجية

رابط مختصر
العدد 10451 الأحد 19 نوفمبر 2017 الموافق غرة ربيع الأول 1439

تعاني المكتبة الخليجية من نقص حاد في كتب أدب الرحلات، على الرغم من جمال هذا الفرع الأدبي وفائدته العميمة، وعلى الرغم أيضا من تزايد أعداد من يجوبون العالم من أدبائنا ومثقفينا ممن يمتلكون ناصية الكتابة في هذا المجال المتصف بخصوصية وتميز. فمثلاً يشترك أدب الرحلات مع فن الرواية من حيث اللجوء إلى السرد والوصف، لكنه يختلف عن الأخير في عدم اللجوء إلى الخيال. وعلى حين أن الرواية لا تقدم المعلومة إلا نادرًا، فإن فن أدب الرحلات يقدم معلومات هائلة، في ثوب أدبي متفاوت بحسب قدرات وامكانيات الكاتب.

 

 

وفي اعتقادي أن السبب في ضمور وتراجع أدب الرحلات يكمن في ثورة الاتصالات والمعلوماتية الراهنة التي جعلت أمر التعرف على معالم الدول وأحوالها المناخية والأمنية والاقتصادية، وعادات الشعوب ولغاتهم وأنماط حياتهم، متاحة للمرء من خلال ضغط زر، بل أصبح متاحا له أيضا رؤية كل ما يريد حيا وبألوانه الطبيعية. وهكذا صار من غير المعقول والمقبول أن يلجأ المرء الباحث عن معرفة البلدان والشعوب إلى كتاب يتحدث عن هذه الأمور في فترة زمنية معينة، ومن دون صور حية، وبأسلوب قد لا يفهمه، أو عبر صيغة وصفية تتطلب منه قدرة معينة للتخيل.

وأتذكر في هذا السياق أني أصدرت في مطلع التسعينات كتابًا تناولت فيه مشاهداتي في عشرات الأقطار التي زرتها في قارات العالم الست، كما تطرقت فيه إلى المفارقات التي حدثت لي خلال تنقلاتي جوًا وبحرًا وبرًا. وقتها كنت متأثرًا باطلاعي في مرحلة مبكرة من عمري على كتابين محددين من كتب أدب الرحلات في العصر الحديث هما: «حول العالم في 200 يوم» الذي أصدره الراحل أنيس منصور عام 1963، و«أيام في الشرق الأقصى» الذي أصدره الأديب محمد حسن فدعق عام 1963 أيضا. كتابي الذي أسميته «عشرون عامًا من الترحال» لم يلقَ نصيبًا من الاهتمام إلا بعد أن اتخذه أحد طلبة جامعة الملك سعود بالرياض ضمن كتب أخرى كمادة للحصول على درجة الماجستير في الأدب.

مؤخرًا أضاف الصديق «محمد بن عبدالمحسن الشبل» من الخـُبر إلى المكتبة الخليجية كتابًا جديدًا في أدب الرحلات بعنوان «خطاي نحو الشرق» هو إصداره الأول. حصلت على نسختي المهداة من هذا الكتاب، الذي يـُنتظر أن يتم تدشينه وبيعه قريبًا، فقرأته بشغف في جلسة واحدة، ليس لأن مادته تتمحور حول دول الشرق الآسيوي التي تخصصت في شؤونها أكاديميًا فحسب، وإنما أيضا بسبب أسلوبه المباشر العفوي الجميل الذي يشجع القارئ على الاستمرار في القراءة دون أدنى شعور بالملل.

المؤلف يجول بك، من خلال 240 صفحة، على ماليزيا وسنغافورة وفيتنام والفلبين وأندونيسيا وهونغ كونغ وكوريا الجنوبية والهند وباكستان والنيبال، واصفا أشهر معالمها، متطرقًا إلى بعض عاداتها وتقاليدها الغريبة، عارجا على تاريخها السياسي، مبرزًا إنجازاتها التنموية أو إخفاقاتها، وساردًا انطباعاته الشخصية عن كل بلد وشعب. علاوة على ذلك يمزج المؤلف ماسبق بإسقاطات مثيرة على الوضع العربي، وبعقد مقارنات بين الدول الآسيوية التي زارها ودول الخليج والشرق الأوسط ــ كلما وجد في ذلك فائدة ــ ناصحًا الدول الأخيرة بأن تستعير من الدول الأولى خبرتها لجهة حل المعضلات التي تواجهها في قطاعات التعليم والصحة والاسكان والمواصلات، وملفات تذويب الفوارق الطبقية والاندماج الاجتماعي وتعزيز الهوية الوطنية وغيرها.

توقف مؤلف الكتاب طويلاً ــ وهو محق في ما فعل ــ أمام التجربتين الماليزية والسنغافورية على اعتبارهما نموذجين جميلين جديرين بالتأمل والدراسة لكل صانع قرار يسعى للنهوض ببلده وشعبه. كما توقف عند الانجازات الخارقة التي حققتها كوريا الجنوبية في مجالات الصناعة والزراعة والبناء والترفيه، رغم أنها في حالة حرب منذ سبعين عامًا، وشعبها خاضع للتجنيد الاجباري، ومجتمعها شبه عسكري. وقد سررت للملاحظة التي كررها المؤلف في أكثر من موضع حول ضرورة عدم تقييم الهند وشعبها بناءً على من نشاهد من هنود يمتهنون الأعمال المتدنية في الخليج. فالهند، خلافًا للصورة المطبوعة في أذهان الكثيرين، بلاد شاسعة ذات حضارة موغلة في القدم، وبها من الغرائب والعجائب ما لا تجده في أي مكان آخر. هذا ناهيك أنها اليوم من الأمم الصناعية الصاعدة ذات الامكانيات العلمية الهائلة. 

وربما بسبب إعجاب المؤلف بماليزيا وسنغافورة والهند، فقد خصص فصولاً مستقلة في كتابه للحديث عن قادتها الملهمين، فخصص مثلاً فصلاً لباني المعجزة السنغافورية «لي كوان يو»، وآخر لصانع النهضة الماليزية «مهاتير محمد»، وثالث لمحرر الهند «المهاتما غاندي».

اخترت لكم من من الفصل المخصص عن سنغافورة النص التالي (بتصرف): «وفي التسعينات صارت سنغافورة بلدا من أكثر بلدان العالم تطورًا، وأكثرها صرامة في تطبيق النظام. والغريب أن أغلب الشعب، إنْ لم يكن كله مقتنع بأنظمة الدولة الصارمة. سألت زميلي السنغافوري ذات مرة: هل يعقل أن استخراج رخصة القيادة يكلف ما يعادل مائة ألف ريال سعودي؟ أجاب نعم، وأضاف:«سنغافورة بلد صغير وفيه خمسة ملايين نسمة ما بين مواطن ومقيم، فإذا سمحت الحكومة لكل هؤلاء، إضافة للزوار والسياح، بقيادة السيارة فسيختنق البلد من الزحام ويصبح مثل جاكرتا وبانكوك. وهكذا فمن واجب الحكومة وضع تكلفة عالية لاستخدام السيارة لأن قيادتها لم تعدْ ضرورة، بعد أن وفرت الدولة وسائل مواصلات جماعية حديثة سهلة الاستخدام ومتاحة للجميع. ثم أضاف زميلي معلومات صعقتني تقول إنه يتم تقييم الزحام كل 3 سنوات من أجل تحديد كلفة استخراج رخصة القيادة! فإذا قل الزحام رخصت قيمة الرخصة، والعكس بالعكس».

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها