النسخة الورقية
العدد 11154 الأربعاء 23 أكتوبر 2019 الموافق 23 صفر 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    4:21AM
  • الظهر
    11:22AM
  • العصر
    2:37PM
  • المغرب
    5:03PM
  • العشاء
    6:33PM

كتاب الايام

محطات مضيئة في سماء معرض الشارقة للكتاب 1 /‏‏ 2

رابط مختصر
العدد 10448 الخميس 16 نوفمبر 2017 الموافق 27 صفر 1439

لا يملك الزائر إلا أن ينبهر وهو يلج مدخل معرض الشارقة للكتاب 2017، عندما يلاحظ التطورات التي تطرأ على مكوناته، المعروضة على المستويين: الشكل والمضمون، الشكل من حيث طريقة العرض وتوزيع المعروضات، والمحتوى من حيث طبيعة وعدد الكتب، والفعاليات الثقافية التي تصاحب المعرض، ولا يملك نفسه من الانذهال، وهو يتجول في قاعات ذلك المعرض التي تتسع مساحات قاعاته وتزداد عددًا كل عام.
ودون الحاجة لاستعراض الأرقام واستحضار الإحصاءات للتدليل على نموه، وجدت نفسي هذا العام مشدودا إلى تجربتين، تكادان أن تكونا شخصيتين، الأولى منهما كانت عندما دلفت قاعة الكتاب المسموع، وليس المقروء. توزعت الأجنحة هنا على مساحة تربو على مائتي متر مربع «تسكنها» مجموعة من دور النشر العربية والأجنبية التي تخصصت في «نشر» الكتاب المسموع غير المصاحب، في معظم الحالات، بالنص الكامل للمخطوطة.
تنوعت أشكال العرض، البعض منها اكتفى بمجموعة من الملخصات التي تسرد مكتبة من عناوين مختارة قابلة للزيادة، وتغطي مختلف العلوم الإنسانية، في حين تخصص ناشر آخر في كتب الأطفال المنطوقة غير المصورة، لكنها مصحوبة، بشكل مستقل، بنصوصها الورقية الموازية. باقة من دور النشر المتخصصة في الكتاب المقروء، تعددت أساليبها، وتنوعت هيئات الكتب التي بادرت بإصدارها، ومصممة على توسيع نطاق الحقول المعرفية التي تغطيها.
تسمرت قدماي عند واحد من أجنحة هذه الزاوية. كانت السيدة التي تتولى شرح ما تقوم بعرضه بحرينية... شابة بحرينية، أعرفها. أنهت دراستها في جامعة البحرين، بعد أن تخصصت في ميدان بعيد كل البعد عن النشر وهمومه، والكتاب ومشاكله.
توقفت عند جناح دار نشرها، وانتظرت حتى انتهت من حديث مع أحد الصحفيين العرب، أفصحت طبيعة الحوار الدائر بينهما عن عدم اقتناعه بمستقبل واعد للكتاب العربي المنطوق.
بعد تبادل السلام المشوب بشيء من العتاب على «تجاهلي» مكالماتها الهاتفية، بادرتني بسؤال يقترب من الهجومية الممزوجة بمسحة حنان تحكم العلاقة بين والد وابنته، قائلة، «لقد قطعنا شوطًا لا بأس به في نشر الكتاب المقروء، كان بودنا ان تشاركنا هذه التجربة التي يغلب عليها التحدي، لكنها لا تخلو من المتعة، وحبلى بمستقبل باهر على الصعيدين التجاري وكذا المحتوى».
رغم مشاركتي لها قراءتها لمستقبل الكتاب المنطوق، مقارنة بذلك المدون، اجتاحتني رغبة في أن أخوض معها حوارًا يقوم على تحدي ما ذهبت إليه بشأن مستقبل هذا النوع من الكتب. فقلت لها لكنكم جيل القرن الواحد والعشرين (millennials)، مشهورون بانكم جيل غير قارئ، فأنتم مهووسون بنصوص قصيرة تتبادلون قراءتها عبر وسائل التواصل الاجتماعي.
وكما يبدو أصاب سهمي منها مقتلا، فردت في شيء من الانفعال، هذه مقولة غير دقيقة، ربما نحن لا نقرأ ما يريدنا جيلكم أن نقرأه، وعلى النحو المعتاد، وفي هذا شيء من الصحة، لكن قراءتنا انتقلت من السمة المعرفية الأفقية التي تقرأ كل شيء، إلى أخرى عمودية تقرأ في حقل معين من حقول المعرفة، وتتعمق فيه. وفي ذلك استجابة منطقية لظاهرة التكاثر الفطري، «من كلمة فطر»، للنتاج الفكري الإنساني الذي لم يعد يسمح بالثقافة الأفقية.
أجبتها، لكنكم ظاهرة صوتية، أي تحبون «التثقف» عبر المحتوى المسموع، ولا تبذلون الجهد المطلوب في القراءة.
كانت إجابتها تلقائية وعفوية، لكن، وكما يبدو، استمدتها من قناعة راسخة، وجاءت في صيغة تساؤل: من حدد طبيعة أداء الحواس، كي يحصر تلقي العلم فيما يقرأ وليس ما يسمع أيضا. وانتقلت من مرحلة الدفاع إلى حالة الهجوم، قائلة أيضا. هناك إجماع على أن الجمال يقاس بالنظر، وليس بأي حاسة أخرى، لكن دعني أعيدك لتراثنا العربي، أ لم ينشد شاعرنا العظيم بشار بن برد، وهو الأعمى الذي لا يبصر، قصيدته المشهورة التي قال فيها:
إن العيون التي في طرفها حور
قتلننا ثم لم يحيين قتلانا
قلت أحسنت يا سؤلي ويا أملي
فاسمعيني جزآك الله إحسانا
قالت فهلا فدتك النفس أحسن من
هذا لمن كان صب القلب حيرانا
حتى يصل إلى قوله:
يا قوم أذني لبعض الحي عاشقة
والأذن تعشق قبل العين أحيانا
فقلت أحسنت أنت الشمس طالعة
أضرمت في القلب والأحشاء نيرانا
ثم تستطرد منفعلة قائلة، لماذا تعتقد أطلقنا على دار النشر التي نملكها اسم «الراوي»، تيمنا برواية الحديث الشريف، الذي كان للرواية، وليس التدوين، الدور الأساس في حفظه. لقد التزم الرواة حينها بمعايير، من أجل محاربة تزوير الحديث النبوي الشريف، فاقت في صرامتها، ما كان معمول به عند تدوين النصوص الأخرى.
وأنهت مداخلتها مصرة على أن «مستقبل الكتاب المنطوق أكثر إشراقًا من الكتاب المدون، لا تقليلا من أهمية الكتاب المدون، لكن استجابة للتطورات التي سوف يشهدها السلوك إنسان القرن الواحد والعشرين، خلافا لأجداده الذين سبقوه، بمن فيهم أجيال القرن العشرين».
حصيلة «الراوي»، وهي دار نشر لم يتجاوز عدد سنين عمرها أصابع اليد الواحدة، عشرات من الكتب المنطوقة، التي اختيرت بعناية فائقة، وسجلت بمهنية عالية، تشجع المثقف على الاستماع، وتساعده على توسيع دائرة معارفه، إن هو أراد ذلك.
تركت جناحها، الذي كان أحد المحطات الساطعة التي كانت تضيء سماء معرض الشارقة هذا العام، وفي رأسي مجموعة من التساؤلات الباحثة عن إجابات مقنعة:
هل نحن على أبواب ثورة معرفية قادمة تبدأ بشكل الكتاب، الذي من الطبيعي انعكاسه بكل إيجابي على العلاقة الطردية بين كمية المعرفة ونوعها، ونوع المتلقي ومدى عمق استيعابه.
هل سيزيح الكتاب المنطوق، الكتاب المدون، وسنجد الأجيال القادمة تتبادل المعرفة عبر آذانها، وليس من خلال أبصارها؟
لماذا ينفرد معرض الشارقة بهذا الزخم من المبادرات الثقافية المبدعة التي تخلو منها معارض الكتاب في البحرين؟
غادرت قاعات المعرض، أسير تلك التساؤلات التي لم تزل تبحث عن تلك الإجابات المقنعة.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها