النسخة الورقية
العدد 11145 الإثنين 14 أكتوبر 2019 الموافق 15 صفر 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    4:17AM
  • الظهر
    11:24AM
  • العصر
    3:43PM
  • المغرب
    5:11PM
  • العشاء
    6:41PM

كتاب الايام

مطارحات

الأسوأ من العدم.. العرب العالقون بين مدن الملح والمدن الذهبية

رابط مختصر
العدد 10445 الإثنين 13 نوفمبر 2017 الموافق 24 صفر 1439

أن قيم الجمهورية الفرنسية لا يكاد يستوعبها (المواطنون الجدد أو المهاجرون المزمنون)، ولذلك سريعًا ما يصطدمون مع نموذج العلمانية الفرنسية، بما يؤخر اندماجهم: حيث يدور لبّ المنطق الفرنسي على حشد المواطنة خلف قيم العلمانية على نحو يعيد ترتيب الفرد وفق نموذج الجمهورية الجماعي، وواضح أن نموذج فرنسا في الانصهار الاجتماعي يختلف عن الأنموذج الأنغلوسكسوني الذي يتأسس على فكرة تعايش المجموعات مع الإبقاء على خصائصها في ضمن الوطن الكبير وقواعده الأخلاقية والقانونية، وتحاول فرنسا منذ عقود التعايش مع الحالة التي فرضت عليها من خلال ملايين المهاجرين العرب بوجه خاص، بما جعل الإسلام في المرتبة الثانية بعد المسيحية. وكان لا بد لهذا الوجود الإسلامي من أن يظهر قصور النموذج العلماني الفرنسي عن استيعاب ديانة الآخر ضمن قوانين الجمهورية ونظامها الاجتماعي، إذ يعتمد النظام السياسي والاجتماعي والثقافي على احترام حرية الفرد ومساواته مجردا من انتمائه الإثني أو الديني. ويدرك الفرنسيون تميّز نظامهم، ويعتبرون تراكما تاريخيا خاصا، يفتخرون به، إذ أن تعامل النظام الفرنسي مع المواطن كفرد هو وراء صيانة حريته واحترام حقوقه. وهو ما يمكن اعتباره إنجازا فرنسيا لا ينبغي التشكيك فيه. فالعلمانية في فرنسا خرجت من رحم صراع مرير بين منطق الجمهورية ومنطق الكنيسة، وما اللجوء إلى الخروج بـ«قوانين» العلمانية مطلع القرن الماضي إلا دليل قوة المعركة التي انتهت إلى إقصاء الكنيسة عن الشأن السياسي العام. فالعلمانية لم تكن خطابا مثاليا يريد أن ينأى بالدين عن دوائر الشأن العام، بل أداة فعالة لتحرير المجتمع والسياسة من سلطة الكنيسة، ولم يكن الإسلام إذن (ولا أية ديانة أخرى) مستهدفًا من قوانين العلمانية الفرنسية، كما قد يتوهم البعض.
هذا تقريبا ما قلته لسائق التاكسي المهاجر الذي اقلني من مطار شارل ديغول الى الفندق ردا على ملاحظاته حول حال المهاجرين العرب في فرنسا. فبدا لي وكأنه يتبرم من هذا الكلام (الذي اعتبره بعيدًا عن الواقع)، فأعادني إليه بالقول:
- با أخي انت لا تستوعب الواقع، فالعرب يتبخرون في هذه العاصمة، حتى الأعمال (الشاقة) التي كانوا يضطلعون بها قبل عشرين عاماً، احتلها اليوم عمال من أوروبا الشرقية أو أفريقيا السوداء. فالجيل الأول من المهاجرين اختفى من الوجود، ومن بقي منهم فهو يعيش حالياً في عزلة تامة، يلفهم الصمت، وتأكلهم الكآبة في الضواحي الفقيرة المزدحمة بالبؤس وتآكل الخدمات، يعيشون عالة على المعونات الاجتماعية التي تقدمها الدولة للجميع لضمان حد أدنى من العيش... الجيل الثاني والثالث من أبناء المهاجرين العرب، وهم مواطنون فرنسيون (على الورق على الأقل)، أغلبهم تأكله البطالة والتهميش وينهشهم الفراغ وبؤس الأوضاع والتمييز في الدراسة والعمل. بعضهم يضطر إلى تغيير اسمه حتى يمكن النظر إلى طلب توظيفه بجدية. والتجمعات السكانية الفقيرة المهشمة والمعزولة تعيش في ما يشبه الغيتوات في الضواحي الباريسية، والتجمعات السكانية التي تأسست أصلا لخدمة الضاحية الفرنسية في بدايات النصف الثاني من القرن العشرين، أصبحت اليوم أشبه بالأطلال: مبانٍ قذرة مكتظة، معزولة. الصناعة الثقيلة الشهيرة اختفت، أو تبخرت هي الأخرى، وهاجرت إلى الصين وتايوان والبرازيل وغيرها من البلدان، وبقيت المباني كالأطلال خاوية على عروشها...
وأبناء المهاجرين الذين كان يفترض أن يكملوا مشوار الآباء في دورة الإنتاج في الوظائف الثقيلة، وجدوا أنفسهم في التسلل: فرص التعليم والعمل تقلصت إلى حد العدم، والاندماج المأمول بات شبه مستحيل، لغياب الجدية في المعالجة، بل ولغياب النية أصلا في دمجهم، خاصة بين أوساط اليمين الذي يفضل أن يبقى العرب -دون غيرهم - نبتا شيطانيا غير قابل للاندماج أو الاستزراع أو التداول..
قلت للسائق مستفزًا: لماذا لا يعود هؤلاء إلى بلدانهم طالما أنهم يعيشون حالة ضياع في العالم لا يستطيعون فيه الاندماج، أو لا يجدون فيه فرصة لحياة كريمة:
ابتسم الرجل في مرارة: «مشكلة العرب في فرنسا - وربما في أوروبا قاطبة - يعيشون حالة من ضياع مركب، فهم هنا في مواجهة وضع سيء وانحسار أفق الحياة الكريمة،...إلا أن الوضع في بلدانهم يبدو أكثر سوءاً على جميع المستويات المعيشة، إلا أنهم هنا على الاقل يستطيعون التعبير عن الغضب، ويتنفسون الحرية، بالإضافة إلى بعض من أمل، وبصيص من ضوء في آخر النفق. في حين يضطر الآلاف منهم إلى المقامرة يومياً بحياتهم، فيما يشبه الانتحار. فيقطعون البحر نحو الشواطئ الأوروبية بحثًا عن فرصة جديدة وأفق جديد، ككائنات مصابة بأوبة فتاكة في أفلام الخيال العلمي والتي تعلق بين المدن الذهبية ومدن القصدير.. هؤلاء يغامرون يومياً بالرغم من أن حظوظهم في الوصول إلى الضفة الأخرى أحياء لا تزيد عن 10%. وحظوظهم في الحصول على فرصة جديدة للحياة في العالم الجديد لا تزيد عن 1%. وهم يفعلون ذلك لأنهم في الواقع أموات لا يرزقون. والمغامرة قد تعطي لهم فرصة ضئيلة من أمل الحياة. ولذلك فلا غرابة أن ترى المهاجرين يعيشون حياة صعبة، ولكنها أقل قليلاً من الموت الذي يتجرعونه في بلدانهم».
قلت للسائق الغاضب: هنالك تحولات خطيرة تحدث اليوم، ليس في فرنسا لوحدها، وإنما في اغلب الدول الأوروبية، فنموذج (دولة الرعاية الأوروبية) بدأ يتبخر، والنموذج الأمريكي في طريقه إلى التعميم، وحتى اليسار الفرنسي بدأ يراجع عن مقولاته حول العمل والإنتاج والرعاية الاجتماعية. وبالرغم أن هذه الرعاية ما تزال موجودة إلا أن الحكومات المتعاقبة، وحتى المنتمية إلى الاشتراكية ما تزال تفتقر إلى الشجاعة والخيال، فبدل أن تبحث عن موارد لتمويل الدولة الاجتماعية فإنها تفضل خفض الدعم المقدم للخدمات الاجتماعية التي تضمن قدرًا كبيرًا من الاستقرار الاجتماعي والسلم الأهلي في أوروبا الرأسمالية. كما أن توسع الاتحاد الأوروبي بشكل سريع إلى ذوبان العرب وانحسار الفرص أمامهم، فهؤلاء القادمون من دول أوروبا الشرقية عاشوا عقوداً في ظل دول اشتراكية وفرت لهم التعليم المجاني بجميع مراحله، وفتحت أمامهم أبواب الجامعات والمعاهد العليا، ولذلك فإن أغلبهم يحمل شهادة عليا ويتقن أكثر من مهنة وتخصص بعكس المهاجرين العرب الذين تزداد أوضاعهم سوءًا.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها