النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 12101 الخميس 26 مايو 2022 الموافق 25 شوال 1443
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%
  • الفجر
    3:16AM
  • الظهر
    11:35AM
  • العصر
    3:02PM
  • المغرب
    6:22PM
  • العشاء
    7:52PM

كتاب الايام

بيضة الديك.. الدكتور يوسف زيدان

رابط مختصر
العدد 10445 الإثنين 13 نوفمبر 2017 الموافق 24 صفر 1439

بعد أسابيع قليلة، من الضجة التي أثارها بهجومه الضاري على ما اعتبره أكاليل الغار الفاسدة التي وضعها صناع الدراما التليفزيونية والسينمائية، على رأس «الناصر يوسف صلاح الدين الأيوبي»، مؤكدا أنه - على عكس الصورة السينمائية التي قدمه بها المخرج «يوسف شاهين» - لم يكن بطلا، ولم يحرر القدس من احتلال الصليبيين، عاد البروفيسير يوسف زيدان، أستاذ الفلسفة والمخطوطات ومحقق التراث، ليستأنف إطلاق نيرانه على أبطال التاريخ الوهميين، الذين صنعتهم آلات الدعاية وأجهزة الإعلام.
اختار البروفيسير زيدان أن يطلق قذائفه هذه المرَّة، على الزعيم أحمد عرابي، مؤكدا أن اللوحة الشهيرة التي تحفل بها كل كتب التاريخ المقررة على طلاب المدارس المصرية والعربية، والتي تصوره وهو يقود - في 9 سبتمبر 1881 - مظاهرة عسكرية، تضم عددا من فرق الجيش المصري، لتطالب الخديو «توفيق»، بـ «مطالب الأمة»، ومن بينها تشكيل مجلس نيابي، وإبلاغ الجيش إلى العدد الذي تحدده الفرمانات الشاهانية، ووضع تسوية وطنية لتسديد الديون التي كان الخديو إسماعيل قد اقترضها من الأجانب، تصوّر مشهدا وهميا لم يحدث، إذ لم يسبق للواء «أحمد عرابي» أن قابل الخديو توفيق، أو قدم له - باسم الأمة - مطالب، وأن كل ما حدث هو أن «أحمد عرابي»، كان يطمح لأن يتولى منصبا رفيعا في الجيش، وكل ما طلبه هو وقف التمييز بين الأتراك والجراكسة، وغيرهم من عناصر الارستقراطية العسكرية، التي كانت تحتكر المناصب العليا في الجيش المصرى، وبين المصريين الذين حرموا من حقهم في تولي هذه المناصب الرفيعة في جيش بلادهم.
حدث ذلك ضمن فقرة، من برنامج «كل يوم» الذي يقدمه الإعلامي المرموق «عمرو أديب» على شاشة قناة «أون. تى. في» التليفزيونية، وفي سياق مناقشة تدور حول انصراف الشباب العرب عن قراءة الكتب، على الرغم من أهمية القراءة في بناء مستقبل الشعوب.. وكانت بمثابة - هذه الفقرة - تمهيد أو إعلان، عن أن البرنامج سوف يضيف إلى فقراته الثابتة فقرة أسبوعية، يتولى فيها «د. يوسف زيدان»، عرض خلاصة أحد الكتب المهمة، التي أثرت في تاريخ العرب أو مسار الإنسانية، وهو ما كان يفعله «عمرو أديب»، في بعض برامجه السابقة، إذ كان يعرض أحيانا، بعض ما يقرأه، وما يسترعي انتباهه من كتب حديثة على مشاهدي البرنامج.
والفكرة في حد ذاتها طيبة، وهي محاولة مطلوبة لرفع مستوى برامج «التوك شو» التي هبطت - في الفترة الأخيرة - إلى مستوى حولها إلى دروس في قلة الأدب ونقص التربية، وفي نشر الألفاظ السوقية والتشبيهات البذيئة، والردح المتبادل بين مقدمى هذه البرامج، والتهديد المتبادل بينهم ببث تسريبات لتسجيلات المكالمات الهاتفية الحميمة، والصور الفاضحة إذا لم يضع الطرف الآخر على فمه قفلا من حديد، فضلا عن الدور الذي قد تلعبه هذه الفقرات الثقافية، في الارتقاء بالمستوى الفكري لمشاهدي التليفزيون.
وهي - بالإضافة لهذا - فهي فكرة مسلية، أتاحت للدكتور «يوسف زيدان» فرصة لكي يسلي مشاهدي التليفزيون، بسرد بعض المحفوظات التي لم تغادر ذاكرته من قراءاته الواسعة في المخطوطات العربية، وهو أسلوب في التحرير الصحفي، كان شائعا في المجلات الثقافية المصرية والعربية، خلال النصف الأول من القرن العشرين الميلادي، إذ كانت تنشره في زاوية تقتطف من طرائف الصحائف، بعض ما تحفل به المخطوطات القديمة وكتب التراث من نوادر وقصص تعيد نشرها، على سبيل العظة والاعتبار، ولكى يستفيد القارئ بما تحفل به من حكمة أو فكاهة.
وفجأة ودون تمهيد أو توقع، انتقل «د. يوسف زيدان» من الدردشة في التاريخ الوسيط إلى الدردشة في التاريخ المعاصر، ومن الحديث عن نوادر وحكم وعناوين كتب ومناظرات تحتشد بأسماء «ابن سينا» و«ابن خلدون» و«الفارابي» و«الواسطي» و«ابن حزم» و...... إلخ.... إلى وقائع لم يمض على حدوثها سوى قرن ونصف القرن، أدركت عصر الطباعة، ونشرت أخبارها في الصحف، وكتب عدد ملحوظ ممن كانوا شهودا على أحداثها مذكراتهم عما رأوه أو سمعوه أو نقلوه عن آخرين، من هذه الوقائع.
وشاء سوء حظ الزعيم «أحمد عرابي» (1840 - 1910) أن يقع بين ضحايا «د. يوسف زيدان» الذي هبط عليه الوحى فجأة، فقرر أن يجرد رأس «عرابي» من أكاليل الغار التي أحاطه بها - دون أهلية أو حق - المؤرخون المعاصرون، بعد أن ثبت له، أنه لم يتشرف بمعرفة الخديو «محمد توفيق» أو يلتقى به، ولم يحشد آليات الجيش، في ميدان عابدين، لكى يقدم له مطالب الأمة، في حضور قناصل الدول ومعتمديها في مصر آنذاك.
قبل أن يقفز فجأة، لكى يمسك بتلابيب «أحمد عرابي» كان «د. يوسف زيدان» مشغولا بالتعبير عن أسفه الشديد، وفجيعته البالغة، لأن شباب هذه الأيام، يعزفون عن قراءة الكتب، ولا يدركون أهميتها في بناء شخصية الشعوب، وكان مما خفف من هذا الأسف، أن ظاهرة انصراف الشباب عن القراءة، لم تشمل كتب «د. يوسف زيدان» نفسه، إذ لا تزال كتبه - والحمد لله - تتصدر قائمة أكثر الكتب مبيعا، حتى أن القراء لا يزالون يتزاحمون على اقتناء روايته الأولى «عزازيل» على الرغم من أنها طبعت 36 مرة!
ولا أحد يعرف حتى الآن، ما هي العلاقة بين عزوف الشباب عن القراءة، وبين إقبالهم منقطع النظير على قراءة مؤلفات «د. يوسف زيدان»، أو ما هي العلاقة بين اكتشاف د. زيدان، بأن «أحمد عرابي» هو المسئول عن وقوع مصر بين براثن الاحتلال الإنجليزي لمدة 73 عاما، وصدور كتاب جديد له، خلاله الأسابيع المقبلة.. وهو الخبر الذي بدا وكأنه الهدف الرئيسي الذي لم يثبته له «عمرو أديب» من إذاعة الحلقة التليفزيونية، أما الذي يعرفه الجميع فهو أن «د. يوسف زيدان» حريص على أن يظهر على شاشة التليفزيون، قبل أسابيع من صدور كل كتاب جديد له، لكي يدلي بسلسلة من التصريحات يهاجم بها أي شخصية تاريخية لها رصيد في قلوب الناس يقودها الحظ السيئ للوقع بين براثنه، مما يثير غيظ البعض، ويدفع البعض الآخر لكي يرد على هجومه بهجوم أقسى منه، وكلما اشتدت حملة الهجوم عليه، تزايد ادعاؤه بأن اسمه يتصدر سماء مؤلفي الكتب الأكثر مبيعا.
أما المؤكد فهو أن أحمد عرابي، لم يكن مسئولا عن احتلال الإنجيلز لمصر، لأن مصر كانت قد احتلت بالفعل قبل قيامه بثورته، ولأن هدف الثورة كان التصدي لهذا الاحتلال ولكن «سوء البخت» كما قال عرابي لم ييسر له تحقيق هذا الهدف، ولم يمنع ذلك المصريين من الاحتشاد حول معسكره في التل الكبير وهم يغنون «من طلعة الفجر قومى يا مصر يا عياشة وقمرى العيش/‏ ومدى ايديكي لأحمد عرابي باشا.. آمر لواء الجيش».

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها