النسخة الورقية
العدد 11123 الأحد 22 سبتمبر 2019 الموافق 23 محرم 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    4:03AM
  • الظهر
    11:31AM
  • العصر
    2:58PM
  • المغرب
    5:36PM
  • العشاء
    7:06PM

كتاب الايام

قارب النجاة الأخير

رابط مختصر
العدد 10443 السبت 11 نوفمبر 2017 الموافق 22 صفر 1439

عندما يكون النظام السياسي سيئًا تسوء أحوال المجتمع برمته، وفِي جميع المجالات. وأسوأ أشكال الأنظمة السياسية هو النظام الشمولي، الذي يعتمد بشكل مطلق على فرد واحد، مما يجعل هذه القرارات قابلة للخطأ في أحيان كثيرة، كما أنها في هذه الحالة الفردية لا تمثل رغبات الجماعة، لأنها لم تصدر من ممثلين للجماعة، كما هو الحال في البرلمانات المنتخبة.
الأنظمة الشمولية بطبيعتها أيضا لا تسمح بتمثيل المجتمع من خلال جمعيات سياسية، أو تشكيلات نقابية، أوصحافة حرة. وهي إن فعلت ذلك ستُجيّير الأحزاب والنقابات والصحافة، وجمعيات المجتمع المدني الأخرى لصالح ما يريده الحاكم، لا مايريده المجتمع. وعندنا أمثلة كثيرة للنظام الشمولي في الوطن العربي. ويؤدي النظام الشمولي الى كبح طاقات المجتمع، وهدر ثرواته، وإدخاله أحيانًا في حروب تدمر اقتصاده. واحدة من أبجدية هذا التدمير، وربما أسوأها، ذلك الذي أدى بسبب هذه الأنظمة الى تعطيل العقول العربية النابغة، أو هجرتها الى خارج الحدود، في اتجاه أوروبا وأمريكا وكندا. العقول التي لم تهاجر، ظلت معطلة أو في حالة من الثبات والركود والتبلد. وأشير هنا الى أرقى الطاقات العربية، وأكثرها أهمية، كالعلماء والأطباء والمهندسين، ومن على شاكلتهم. لم تجد هذه العقول بيئة حاضنة، وصحية لكفاءاتها العالية،  فذهبت في اتجاه الغرب وأمريكا وكندا، بحثًا عن المكان المناسب لطاقاتها المتميزة، وقدراتها الخلاقة والنوعية.
الاحصاءات تقول إن ثلث العقول المهاجرة من الدول النامية تخرج من الوطن العربي. وهذا عدد كبير، فالدول النامية تتشكل من ثلاث قارات هي آسيا وأفريقيا وأمريكا اللاتينية. تقول الإحصائيات أن المهاجرون العرب من العلماء يشكلون ما نسبته 15٪. ومن المهندسين ما نسبته 23٪ ومن الأطباء ما نسبته 50٪. احصائية أخرى، تقول أن 54٪ من الطلاب العرب المتخرجين من أوروبا وأمريكا وكندا، لا يعودون الى الوطن العربي، وأعتقد أن الأسباب كثيرة، يأتي على رأسها سوء الأنظمة العربية، وجودة أنظمة الدول المتقدمة، التي تقدم إغراءات مادية كبيرة للخريجين المتميزين، فهي تعرف أن هذه الكفاءات سترفع منسوب التنمية الاقتصادية في بلدانهم. هم يأخذون منا أثمن ما نملك، ونحن نفرط في أحسن ما نملك. هذه الدول بدورها توفر لهذه الطاقات المتميزة البيئة العلمية المناسبة، والمختبرات ومراكز البحوث. الخريجون العرب من هذه البلدان يجدون أن وجودهم في هذه البلدان يساهم في تطوير قدراتهم ويشبع شغفهم بالعلم والابتكار. عندما يقارن الخريجون العرب، بين بقائهم في بلاد التخرج، أو العودة الى بلدانهم يختار الكثيرون منهم البقاء في هذه الدول، التي بدورها تبدأ في اصطياد هذه المواهب، وهي على مقاعد الدراسة، فتقدم لهم الامتيازات والمردود المادي الكبير. وعلى عكس البيئة الحاضنة في الدول المتقدمة، نجد أن البلاد العربية، هي بيئة طاردة للمواهب بامتياز. في المحصلة العامة نجد الدول المتقدمة ترصد للعلوم والأبحاث نسبة عالية من الميزانية، فيما ترصد الدول العربية نسبة متدنية جدًا - وكأنها ليست في حاجة للعلوم والتنمية. لقد تصاعدت في السنوات الأخيرة فكرة الاستثمار في البشر، بعد الثورة المعرفية والتكنولوجية. وسمعنا عن اقتصاد المعرفة، واستثمار العقول، فيما عقولنا اما معطلة أو مهاجرة، وماذا يترتب على ذلك؟ أن الدول المتقدمة تزداد تقدمًا، والدول العربية تزداد تأخرًا. وفِي أحسن حالاتها تراوح في مكانها، وهو مكان متأخر. الإحصاءات التي رصدت هذه الظاهرة المؤسفة تقول أن 450 ألف عربي من حملة الشهادات العليا هاجروا من الدول العربية الى دول أوروبا وأمريكا وكندا. ويذكر مركز دراسات الدول النامية بجامعة القاهرة أن الكفاءات العالية، المهاجرة من مصر وحدها تبلغ 824 ألف مهاجر حتى عام 2003، وهذا العدد قد زاد بالتأكيد في الوقت الراهن. السؤال الذي يشغلنا كل الوقت هو لماذا تتفجر القدرات العقلية، وتنمو المواهب بشكل متصاعد في الدول المتقدمة، فيما تخبوا في البلدان العربية وتتكلس؟ وكم هي خسارتنا كبيرة من ذلك؟ لا أعتقد أن المواليد في الدول المتقدمة يولدون عباقرة، إنما الرعاية هي التي تجعل منهم عباقرة، فالعقول المتوقدة ينطفئ بريقها اذا لم تجد الرعاية، وتزداد بريقا بالرعاية، فهي تذكي جذوة الإبداع  والاختراع، وتفجر الطاقات والمواهب. النظام السياسي المتقدم بدوره هو الذي ينظم هذه المجتمعات لتعمل بآلية تهيئ البيئة والرعاية للموهوبين.
ويرى الباحثون أن النظام الديمقراطي هو البيئة الحاضنة الأفضل لرعاية المواهب مقارنة بالأنظمة الأخرى، والدليل قائم على أرض الواقع، فالدول المتقدمة التي تزدهر فيها المواهب هي أنظمة ديمقراطية بامتياز، والاستثناءات هنا قليلة. وسيظل نزيف العقول العربية قائمًا حتى تتغير الأنظمة العربية، وتنحو الى النهج الديمقراطي. إذن فالنظام الديمقراطي بات  ضرورة حياتية للعرب ليكونوا أو لا يكونوا. بالإضافة الى ذلك فالحفاظ على المواهب العربية سيعجّل بالتقدم، إذ هي التي تدفع التنمية الاقتصادية دفعات كبيرة الى الأمام، ربما في فترة قياسية. نحن في عصر أصبح فيه الانسان هو رأسمال التنمية الأساسي، وهو رأس مال لا ينضب كما ينضب النفط، وغيره من الموارد الطبيعية. والإنسان الموهوب هو الرأسمال الأكبر والأول للتنمية والتقدم . هكذا أصبحت الديمقراطية الْيَوْمَ، هي قارب النجاة الأخير للعرب.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها