النسخة الورقية
العدد 11090 الثلاثاء 20 أغسطس 2019 الموافق 19 ذو الحجة 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    3:48AM
  • الظهر
    11:41AM
  • العصر
    3:12PM
  • المغرب
    6:11PM
  • العشاء
    7:41PM

كتاب الايام

مهرجان البحر.. وطن وهوية

رابط مختصر
العدد 10441 الخميس 9 نوفمبر 2017 الموافق 20 صفر 1439

مواويل البحر لا تنتهي، فكلما تحركت موجة في البحر، استثارت معها تاريخًا وحكاية، وكلما شح صوت الموال في البر والبحر، أطلقت الموجة العنان لموالها، ولا يعشق البحر إلا من كان قلبه نورسًا..

هكذا كان قلب الشيخ خالد بن حمود آل خليفة الرئيس التنفيذي لهيئة البحرين للسياحة والمعارض الذي أشعل ذاكرة البحر في خلايا الرؤوس والوجدان مذ تسلم إدارة دفة الهيئة، وأطلق معها أهم مشروع وطني تراثي سياحي في مملكة البحرين، ألا وهو مهرجان البحر، والذي جعل منه ومن الوطن، سفينة عائمة في البحر، كلما اعترضتها يابسة وجدت ضالتها في بحر آخر، وكما لو أن البحرين هي البحر من أدناه إلى أقصاه، ومن أقصاه إلى أبعد ما في مداه.

إنه مشروع اختزل البحرين وتاريخها وحضارتها، عاداتها وتقاليدها، خيراتها وكنوزها البحرية، في مساحة تلتئم فيها المراسي بالبحر ومداه، ويلتقي فيها أهل البحر من مختلف المشارب بعشاقهم في البحر والبر، من قلب الوطن وخارجه، ليشكلوا معا وبتناغم اجتماعي آسر، جزيرة الوصل الحضاري مذ دلمون أرض الحياة المقدسة وحتى يومنا هذا.

إن مثل هكذا مشروع يستحق مؤسسة فعلاً، ومن أسهم معه في تدشينه وإطلاق أشرعته، الثناء والإشادة والتقدير، ذلك أن هذا المهرجان (المشروع)، تمكن من أن يكون مادة خصبة وثرية حية، لمن يريد ويطمح في التعرف على تاريخ البحر وتأثيره في حياتنا الاجتماعية والاقتصادية، ولمن يسعى مستقبلاً أن يكون جزءًا فاعلاً ومؤثرًا في هذا التاريخ الحي على مدى امتدادات الحضارات التي تعاقبت في مملكة البحرين، ولم ولن أنسى يومًا مدى حماس الأستاذة هدى الحمر رئيسة قسم التطوير بالهيئة، وهي تتحدث معي عبر أثير الإذاعة بروح ملؤها الأمل في أن يكون هذا المهرجان إيذانا لانطلاق مهرجانات سياحية رفيعة المستوى على صعيد التنظيم والتقديم بوصفه إنجازا وطنيا مهما في مختلف معطياته. 

لقد تسنى لي وأنا أتجول في فسح هذا المهرجان بأناة توجهها دفة الذاكرة، وتقودها الجهود واللمسات الجمالية المبهرة التي برع المنظمون في هيئة البحرين للسياحة والمعارض، ومن بينهم شركة (بيكو)، في إبراز ملامحها وخارطتها التنظيمية الآسرة والأخاذة، تسنى لي أن أدرك معنى أن تكون لهذا الوطن هويته الحقيقية والأصيلة التي يصعب برسوخها وعمقها في وجداننا اختراق ثوابتها التاريخية والحضارية، إنها هوية كل ما يكتنز فيها ومنها، لا ينطق ولا يجهر إلا بالبحرين.

في هذا المهرجان (الوطن)، كان أول من استقبلني، جامع التراث البحري البحريني الأصيل صالح الحسن، والذي أعتبره متحفنا البحري والتراثي الفريد، الذي لا يقل في أهمية كنوزه التراثية الفريدة، عن أي معلم حضاري أو تاريخي في البحرين، حيث احتضن المهرجان من كنوزه أهم وأقدم ما في عالم البحر في البحرين من ذخائر نفيسة، ولعلها ذخائر تستخدم في البحر وعلى شواطئه وفي أسواقه.

كما استوقفني في هذا المهرجان، صقر البحر ومؤسس أفلام البحر في البحرين والخليج العربي الفنان والمصور والمخرج الرائد والعميد خليفة شاهين، ليأخذني بحدقتيه الحادتين وهو يشير بسبابته نحو فيلمه الرائد (حمد والقراصنة) وهو يعرض في بهو الخيمة الكبيرة التي كانت أشبه بسفينة كبيرة تعرض كل كنوز البحر على فسحها وبين جوانحها وحناياها، وليصحبني معه إلى (شيوخ) القلافة في البحرين خارج الخيمة، لأرى من خلالهم تاريخ صناعة السفن التقليدية في البحرين، ولأتعرف على قدرتهم الفائقة والمميزة في صناعة السفن وأنواعها ومدى تميزهم عن أقرانهم في الخليج العربي في التفنن في صناعتها.

وبمحاذاة (شيوخ) القلافة في الفسح الخارجي، أكون في قلب وروح تاريخ هذا البحر، مع (فلاقة) المحار، حيث الفضول يأخذ عينيك نحو دانة أو حصباء أو لؤلؤة أو قماشة، ربما ستكشف سرها إحدى المحارات المفلوقة، وحيث الذاكرة تأخذك إلى سطح سفينة غوص تخال نفسك عليه بعيدا عن مرفأ المهرجان الساحلي.

وقبل أن تعود إلى قلب سفينة كنوز المهرجان، تلفت ناظريك أشرعة أعدت للإبحار بمخيلتك فيها عبر إضفاء روحك التلوينية عليها، الأمر الذي يجعلك لأن تخال كل هذا المرفأ، وما فيه وفوقه وعليه، جزيرة تتحاور فيها كل كنوز وفنون البحر، خاصة وأنك بمحاذاة البحر مباشرة.

والبحر في بحريننا كعادته موارب ومخاتل، إذ سرعان ما تدفعك أمواجه وأعماقه نحو أسماك تحلم اللحظة باصطيادها، فتراها في قلب السفينة في الداخل تراوغ عينيك وفضولك خلف زجاج يبدو فارغ الملمس من شدة شفانيته ورقته، محاولا البحث عن واحدة كنت يوما تتمنى اصطيادها أو تذوقها، فلعلك تجدها.

والبحر في هذا المهرجان، يفصح عن كنوزه الفريدة في كل خطوة تخطوها في فسحه وقلبه، إذ كان للطواشين وتجار اللؤلؤ المعروفين والمشهورين في مملكة البحرين والخليج العربي، حضور الدانات وبريقها بما يمتلكونه من فريد اللآليء وأثمنها، إذ لا يمكن أن تخطيء عينيك وأنت تتجول في قلب محاراتهم الدافئة، نفيس اللؤلؤ لدى بن مطر أو المناعي أو المحمود أو الفردان، حيث هناك، معهم، تكون في تاريخ أقدم دانة أو حصباء منحتها هيرات البحرين لأهلها، ولتدرك في الآن نفسه، أن هذا النفيس من الدانات واللآليء، بالرغم من رقة حجره، إلا أنه أكثر الدانات قدرة على مقاومة الزمن، وأكثر قدرة على التجدد وتحدي كل الأحجار النفيسة التي خرجت من أرحام البر والبحر معا.

في هذا المهرجان، في سفينة كنوز البحر، نكون أيضا مع أحد الطواشين الذين احترفوا تشكيل عقود اللآليء من بيئة اللؤلؤ نفسه، فكان المحار قرينا لكل دانة يصاغ تشكيلها فيه، وكما لو أنه يمنحك اللؤلؤة جاهزة لحظة (فلقها) لتعيش زمن الغوص نفسه.

وفي متحف البحر الغني الثر، تكون أيضا بين مختلف الحرف والمهن البحرية، كيف تصنع الشباك والسلال وغيرها، وهنا نثمن حقا مركز الجسرة للحرف الذي أسهم أيما إسهام بمد المهرجان بأهم محترفي فنون وصناعات البحر، وإبراز هذه الفنون والصناعات عبر استخدام التقنيات الرقمية المتطورة.

كما تمكن هذا المهرجان، من لمّ شمل جميع الأجيال في سفينته التاريخية الحضارية الفارهة قيمة ومعنى ودلالة، فما أسعد تلك اللحظات بالنسبة لي وأنا أتفرج على الأطفال وهم يجبرون أحيانا أولياء أمورهم على اصطياد أسماك وإن كانت وهمية، أو يتساءلون عن الأنواع البحرية المتعددة في المهرجان بفضول شديد، أو يسهمون في تلوين بعض الصناعات البحرية، أو يستمعون لمواويل وأغاني البحر، يشاركهم في ذلك سياح أجانب كثر قصدوا المهرجان وتعرفوا بلا شك على تاريخ وهوية هذا الوطن من خلالها.

كما أحيي اللفتة الكريمة التي تعاونت فيها وزارة التربية والتعليم مع هيئة السياحة والمعارض، في تنظيم زيارات خاصة لطلبة المدارس، لإطلاعهم على تاريخهم البحري والمساهمة في كتابته والبحث فيه مستقبلا.

إن مهرجان البحر، يعتبر فعلا واحدا من أهم المهرجانات الثقافية والتراثية والسياحية التي أقيمت في مملكة البحرين، والتي قدمت الهيئة فيه مختلف التسهيلات للأسر والسياح من أجل مشاهدته ومتابعة مختلف فعالياته. فمثل هكذا مهرجان أسهم وأبرز تراث وحضارة أقدم وطن في خليجنا العربي عرف البحر، ينبغي أن تسخر له كل الإمكانات مستقبلا، لأنه ليس مهرجانًا فحسب، وإنما هو فعل وطني مهم وأصيل يحتفي بهويتنا وثوابتها التاريخية الضاربة في عمق جذور حضارات هذا الكون، ولعلنا نطمح مستقبلاً، في أن يكون هذا المهرجان البحريني، مهرجان البحر في الخليج العربي، لتتسع رقعة المشاركة والفاعلية والتأثير مستقبلاً، وليكون واحدًا من أهم المهرجانات البحرية في خليجنا العربي، بل في العالم كله، على قرار مهرجان الماء الذي ينظمه بيت ثقافة العالم بألمانيا، فهل يتحقق ذلك مستقبلا؟ مجرد أمنية..

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها