النسخة الورقية
العدد 11177 الجمعة 15 نوفمبر 2019 الموافق 18 ربيع الأولى 1441
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

كتاب الايام

طفــــــح الكـــيل يا قطـــر

رابط مختصر
العدد 10440 الأربعاء 8 نوفمبر 2017 الموافق 19 صفر 1439

 لم يقدم أمير دولة قطر الشيخ تميم بن حمد في المقابلة التي أجراها معه المذيع تشالز روز من تلفزيون سي. بي. إس. ما يفيد بتغيير مرتقب في الموقف القطري من الأزمة المثارة منذ الخامس من شهر يونيو الماضي. ولم تشِ إجاباته ومناوراته الكلامية على أسئلة المذيع بأن طرحًا جديدًا يمكن توقعه في المقبل من الأيام. لقد كانت مقابلته هذه مجرد مناورة إعلامية بائسة شأنها في ذلك شأن سائر التصريحات السابقة لها، والتي كان في ارتفاع منسوبها ووتيرتها في الأيام الأخيرة مؤشر دال على التخبط الذي باتت تعيشه سلطات الدوحة وقد أوجعها موقف الدول المقاومة لإرهاب الحمدين. لقد ذهب في ظن من يدير السياسة الإعلامية القطرية أنه ببرنامج تلفزيوني حواري بائس هنا ولقاء صحفي هناك قادر على إقناع الرأي العام المحلي والعالمي ببراءة الثعبان القطري من السموم التي زرعها حيثما أمكنه ذلك سواء بما تبثه قناة الفتنة والعار الجزيرة وما فرّخ منها من قنوات بائسة أو بما أتاه الإسلام السياسي في كل تلويناته الإخوانية والشيعية والمستدعشة من جرائم وحشية وانقلابات ومحاولات لإرغام الناس على تبني ما يطرحونه في الدين وفي السياسة والمجتمع. 

 مثل كل المقابلات والتصريحات السابقة كان موقف تميم بن حمد من كل ما يتم طرحه بخصوص موقف الحكومة القطرية من الدول المقاطعة لها هو نفسه الذي سئمت آذاننا سماعه في المقابلات الأخرى، ومنها المقابلة الكوميدية التي أجراها تلفزيون قطر مع حمد بن جاسم قبيل هذه المقابلة بأيام قليلة، وخصوصًا فيما يتعلق بالشروط التي أعلنتها الدول المقاطعة لعودة العلاقات إلى سابق عهدها، وجاء بها المذيع ليجعل منها محاور توجه دفة اللقاء، وتحدد ملامح انتهاء الأزمة، مثل: غلق «قناة الجزيرة» والتي يشير إليها القطريون، مداعبةً لعواطف الأوروبيين، بأنها رافعة حرية التعبير في المنطقة العربية. وكذلك العلاقات مع إيران و.... الجدير بالإشارة في هذا المقام أن أمير قطر في مقابلته هذه ما يزال يكابر ويتحدى دول المقاطعة بالقول إنه لن ينحني للضغوط ولن ينفذ المطالب. ومثل هذا الموقف يدفعنا إلى أن نتساءل: هل يريد أمير قطر أن تنحني له الدول الأربع المقاطعة والمتضررة من سياسات بلاده الداعمة للإرهاب وعدم الاستقرار فيها؟ وإذا ما كان الأمر كذلك فإنه حتماً لممّا يثير الكثير من العجب، فهل لنكران الخطايا المرتكبة ما يبرره، أم أن المسألة مجرد عناد وعنجهية خرقاء لا يُمكنها أبدا أن تكون من صفات الحاكم أيّا كان؟!

 مدار حديثنا في هذا المقال حول إشكاليتي قناة العار الجزيرة والارتماء القطري في أحضان الذئب الإيراني، وهما الإشكاليتان اللتان أعتقد جازمًا أنهما على مستوى واحد من الأهمية مع بقية الشروط الإحدى عشر الأخرى التي تضمنتها لائحة شروط الدول الأربع المقدمة إلى الحكومة القطرية. الشرطان لا يقلان أهمية عن الشروط الأخرى ولا يفوقانهما. ولكن إصرار تميم بن حمد على إنكارهما على الدول الأربع يجعل كل ما جاء في المقابلة مردودًا عليه؛ لأنه ببساطة يتجافى مع الحقائق، ويتجاوز المنطق السياسي السوي.

 فحرية التعبير، التي ادعاها أمير قطر وزعمها نقطة خلافية بينه وبين الدول الأربع، وأوهم بدفاع بلاده عنها مصورًا الدوحة واحة لهذه الحرية، ومنبعاً للديمقراطية إلى درجة تجعلك تتخيل أن أوروبا وأعتى الديمقراطيات وأكثرها عراقة في شغف للنهل من مساحة الحرية التي يتيحها النظام القطري لشعبه! والحال أن كل هذا الكلام المعسول عن الديمقراطية في المقابلة التي يتشدق بها أمير قطر يأتي لصرف نظر المحاور عمّا تعج به سجون الدوحة من المعتقلين الذين يلاقون صنوف العذاب، ويتعرضون لسحب الجنسيات ومصادرة الأموال، لمجرد جهرهم بمعارضة سياسة النظام ضد دول مجلس التعاون كما حدث لقبيلة الغفران على سبيل المثال لا الحصر. قطر من هذه الزاوية - زاوية حرية التعبير - تتحدث عما تفتقده لمجرد مغازلة الأوروبيين والأمريكان تحديدًا.

 واقع الحال في قطر ومن مصادر إعلامية متنوعة ومحايدة واحد من أسوأ الأمثلة على انتهاك حرية الرأي ومصادرة الحق في التعبير الحر، ويكفينا شاهدًا على ذلك ما باح به عدد من الصحفيين الذين طلقوا الجزيرة بالثلاث أو تصريحات من أُبعد منهم لمجرد أنهم ظنوا أن الصحافة القطرية حرة فكتبوا أو فكروا في كتابة ما لا يُعجب حكام قطر فطردوا ولوحقوا قضائيًا وخضعوا لأبشع أنواع الابتزاز، ولكل من أراد المزيد ليس عليه إلا أن يطالع المانشيت الذي جاء في الصفحة الأولى من جريدة الأيام الغراء عدد يوم السبت الماضي الموافق 4 نوفمبر ومفاده «اتهامات لأمير قطر بالنفاق... إعلاميون: سلطات الدوحة تنكل بالصحفيين وتكبح حرية الإعلام». ولقد جاء في تفصيله أن صحفيين سرحوا وغادروا مناصبهم في موقع «الدوحة نيوز» وقد وصفوا الأمير تميم بالنفاق عندما تحدث عن أهمية شبكة الجزيرة الإعلامية في المقابلة المذكورة.

 أما بخصوص العلاقة مع الإيرانيين وقول الأمير تميم بأنها وليدة اليوم، أي أنها نتاج مقاطعة الدول الأربع لها، ففي هذا القول كثير من الكذب والبهتان والافتراء وقلب مفضوح للحقائق. فعلاقة الدوحة بإيران كانت أحد البنود التي تضمنتها لائحة الشروط المقدمة من الدول الأربع إلى الدوحة من أجل عودة العلاقات وإنهاء المقاطعة. إذن علاقات الدوحة مع إيران سابقة لعملية المقاطعة، وهي، أي المقاطعة، أحد أسباب هذه العلاقة التي تجاوزت البرتوكولات الدبلوماسية لتدخل في أبواب المكر بدول مجلس التعاون، ولا يُمكن لعاقل أن يتصور الدول الأربع ترجم بالغيب وتستبق في مواقفها الحاسمة والقطعية أمورًا لم تقع، فحكام الدوحة حديقة خلفية من حدائق إيران وطابور خامس دوره الأكبر دق أسافين الفرقة في منظومة دول مجلس التعاون التي ترى فيها طهران خطرًا يضرب مصالحها الاستراتيجية ويُفسد عليها خططها في أن تكون ناطقة باسم الدول الإسلامية. إن العلاقة مع إيران اليوم ليست اقتصادية فحسب، وإنما هي قائمة على تخيلات وأوهام لدى حكام قطر بأن إيران ستحميهم من مخاطر تغيير النظام بالتدخل العسكري لفائدة تميم والحمدين من ورائه. كما أن اللجوء إلى عقد مثل هذا التحالف مع إيران يشير إلى عدم الثقة حتى بالحليف الأمريكي، الذي له وجود على الأرض يفوق كل الوجود الأمريكي في أي قاعدة خارج أمريكا.

 ما المطلوب من قطر؟ هذا هو السؤال الذي يجب أن تواجهه قطر، وتتحلى بالشجاعة للإجابة عليه لأن السؤال بحد ذاته وفي ظل العنت القطري يشكل معضلة. المطلوب، إذا أرادت قطر من أحد أن يسهم معها في البحث عن مخرج، هو تخفيض حدة المكابرة والتعالي والنزول من الأبراج العاجية التي صنعتها لها كذبًا، ووضعت نفسها فيها بسبب ما تتملكه من أموال ظهرت فجأة، والعودة إلى الحضن الخليجي بالاعتراف بكل الارتكابات التي أثرت في أمن دول المقاطعة واستقرارها. هذا هو السبيل الوحيد لتضميد ما أسفرت عنه هذه الارتكابات من جراحات، إلى جانب الانضباط بالعمل الأمين على تنفيذ الشروط الثلاثة عشر. فعلى قطر أن تقتنص الفرصة قبل فوات الأوان، لأن الكيل قد طفح، وهامش الصبر على حماقات حكام الدوحة وجوقات إعلامهم الموبوء قد تضاءل!

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها