النسخة الورقية
العدد 11145 الإثنين 14 أكتوبر 2019 الموافق 15 صفر 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    4:17AM
  • الظهر
    11:24AM
  • العصر
    3:43PM
  • المغرب
    5:11PM
  • العشاء
    6:41PM

كتاب الايام

البكاء على اللبن المسكوب..

المعركة المستمرة لمواجهة الغش السياسي!!

رابط مختصر
العدد 10440 الأربعاء 8 نوفمبر 2017 الموافق 19 صفر 1439

عندما كنا نقول ونكتب من دون توقف عن أهمية الوعي بطبيعة المرحلة التاريخية التي نمر بها، والحاجة الماسة إلى الحفاظ على التجربة الديمقراطية في البحرين وحمايتها بالمواقف العقلانية وبالتلطف والتعقل والقبول بمنطق التدرج لضمان استمرارها وتثبت أركانها، عندما كنا نقول ذلك كانت بعض القوى ترد علينا بمنطق: «كل شيء أو لا شيء» «الان والان»، وتعلن عن المطالب الجذرية الراديكالية مع تلوينات لغوية مختلفة ولكنها جميعًا لا توحي بامتلاك أي قدر من الوعي التاريخي والسياسي. ولذلك وجدت نفسها تتناسب مع مشاريع أقل ما يقال فيها انها انقلابية وتآمرية في ذات الوقت، فضلاً عن تناقضها حتى مع المبادئ التي تعلن عنها بالانحياز إلى مشروع الإسلام السياسي الطائفي الذي أوهم الجميع بانه قادر على بناء الديمقراطية أو العمل من داخلها واحترام قواعدها. 

وها هي اليوم ها هي ذات الأصوات تبكي على اللبن المسكوت وتعبر عن عضب هي من تسبب في مقدماته وأسبابه.

والحقيقة أنه من السذاجة بمكان الاعتقاد بأن الأحزاب الطائفية يمكنها أن تنتج دولة مدنية، فهذا من الأحلام، بل من الخرافات التي يمكن تصورها حتى في الخيال. ولذلك فإن الخطاب الذي يحاول الاستخفاف بعقولنا حول مدنية الدولة من منظور الأحزاب الطائفية-المذهبية المغلقة، لا يمكنه أن يقنعنا بتركيبته المغشوشة، ولا يمكن أن تقبله عقولنا ولا تقره التجارب التي يعيشها الناس من حولنا في أكثر من بلد وإقليم.

هذا النوع من الغش السياسي لن يمكن أن يمر بمنطق العقل وبمنطق السياسة فالأحزاب الطائفية لا يمكن ان تنتج دولة مدنية، فهي قادرة فقط على إنتاج دولة طائفية خالصة، وقبل ان تتحدث عن خرافة الدولة المدنية عليها ان تبدأ أولاً بفتح أبواب الانخراط فيها أمام جميع المواطنين دون تمييز، ودون اشتراط التسليم المسبق بمفاهيم وطائفية ضيقة! فإذا فعلت ذلك وقتها يمكن ان نبدأ معها مناقشة أي أفق جديد للتفكير في الدولة المدنية، هذا بالرغم من اننا نشك انها ستكون قادرة على فعل ذلك، لأنها لو فعلته ستكون كمن ينتحر وينهي بنيانها العقدي والنظري، فينفرط من حولها الجزء الأكبر من الجمهور الذي انخرط فيها أصلاً لقناعات طائفية بالدرجة الأولى. 

نعلم ان خطاب الدولة المدنية الذي تتشدق به بعض الأحزاب الطائفية، موجه إلى الخارج بالدرجة الأولى، فالجمعيات الطائفية، مهما كان لونها، هي من تبالغ في تقديم نفسها على انها ترغب في بناء دولة مدنية، مع أنها جمعيات دينية طائفية بالأساس، وهي تعلم ويعلم جمهورها ان دولتها هي بالضرورة دولة دينية، يحكمها رجال الدين بشكل مباشر في جميع مفاصلها. او يحكمونها من وراء حجاب، ويجيرون كل شيء فيها لصالح منظورهم في كل جوانب الحياة والموت، ولا نحتاج إلى الكثير من البحث في هذا المجال فالجمهورية (الثيوقراطية في إيران الإسلامية) هي تقريبًا النموذج (المدني) للدولة الدينية الطائفية، ونكاد نجزم بأنها المثال الذي تحتذي به بعض الأحزاب الدينية الطائفية المشابهة لها، ليست صورة نموذجية للدولة الدنية التي ليس لها من المدنية سوى الاسم والتي تدور في الفلك المذهبي الإيراني، والواقع يؤكد بما لا يدع مجالاً للشك أن هذه الجمهورية- النموذج، ليس لها من الجمهورية سوى العنوان. لأنها دولة الفقهاء باختصار شديد: هم من وضعوا الدستور، وهم من قرر له مجلسًا لحمايته من التغيير او التطوير، وهم من يمررون أسماء المرشحين للانتخابات على مجهر الفقه والانتماء إلى التيار، وهم من يتحكمون في البرلمان والسلطة التنفيذية والجيش والإعلام والمال والرجال والنساء والمدارس والداخل والخارج. معارضوهم يتحولون إلى شياطين حتى وان كانوا من حجم محمد خاتمي او كروبي. والمختلفون معها عملاء. والمتظاهرون السلميون مفسدون في الأرض. باختصار دولة الفقهاء المنزهون عن الخطأ، هي دولة دينية طائفية متعصبة، لا تترك المجال للحركة حتى للتيارات الدينية الإسلامية الأخرى من خارج تيار السيطرة ولو من نفس الطائفة ومن نفس المذهب. وهي في النهاية دولة ديكتاتورية، ولا علاقة لها بالديمقراطية ولا بالمدنية، فإذا كان هذا هو النموذج، فما بالك بالنسخ المقلدة لها، أو من ألوان طائفية أخرى لها أيضا مرشدها ودستورها وجيوشها المنتشرة في الارض!!

هكذا هي القصة وما عداها فخرافة مضحكة، يتم تسويقها علينا استخفافًا بعقولنا. لأن الدولة المدنية هي بالضرورة نتاج للفكر المدني الذي يفصل بين الدين والسياسة. ويؤسس لتكون الدولة دولة جميع مواطنيها وليس دولة دين او طائفة، دولة المؤسسات التي تقوم على الفصل بين الدين والسياسة، ففي الديانات مذاهب وأراء واجتهادات ومعتقدات واختلافات وإشكاليات ولا يمكن للدولة المدنية ان تتورط لا هي ولا مؤسساتها المدنية في هذه الاختلافات والصراعات وتحيزاتها وقراءاتها، لأن مهمتها الرئيسية هي المحافظة على كل جميع أعضاء المجتمع بغض النظر عن القومية والدين والجنس والفكر. وهي تضمن حقوق وحريات جميع المواطنين على قاعدة الديمقراطية المعروفة وهي المساواة في الحقوق والواجبات.

 ولذلك لا يمكن مطلقًا ان تنشأ الدولة المدنية في ظل حزب ديني طائفي، أو في ظل الدولة المذهبية التي لا تؤمن بحق جميع المواطنين على قدم المساواة طالما أن القانون المذهبي يميز بين العقائد والتوجهات الفكرية والسياسية. ولا اعتقد ان حزبًا دينيًا طائفيًا معلنًا ومكرسًا في برامجه وفي طريقة اختيار أعضائه ومرشحيه للانتخابات، سوف يؤسس دولة مدنية بأي شكل من الأشكال، بل لا يمكنه ان يؤسس سوى دولة الطائفة التي هي المرتكز الأساسي للتشريع، وليس على أساس إرادة الناس.

إن المعركة الديمقراطية إذن -بقدر ما هي نضال من أجل الحرية والمساواة ودولة القانون- هي أيضا نضال ضد التزييف السياسي الذي يرقى الى درجة الكذب على جمهور المواطنين. وهي معركة ضد كل من يمارس التزييف والخداع مهما كان لونه السياسي او الطائفي، فالنزاهة في السياسة وفيمن يتصدى للعمل السياسي شرط أساسي لنجاح الديمقراطية في الحاضر وفي المستقبل.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها