النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 11924 الثلاثاء 30 نوفمبر 2021 الموافق 25 ربيع الآخر 1443
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%
  • الفجر
    4:43AM
  • الظهر
    11:26AM
  • العصر
    2:25PM
  • المغرب
    4:45PM
  • العشاء
    6:15PM

كتاب الايام

من الآن فصاعدًا.. «المعلم شي»

رابط مختصر
العدد 10437 الأحد 5 نوفمبر 2017 الموافق 16 صفر 1439

وأخيرًا تأكد ما ذكرناه مرارًا في أكثر من مقال سابق من أن الزعيم الصيني الحالي «شي جيبينغ» لديه شراهة للسلطة وطموحات شخصية لا سقف لها، على رأسها أن يخلد ويبلغ مصاف المعلم «ماو تسي تونغ» مؤسس الصين الشيوعية وقائدها التاريخي الأول. ومن هذه اللحظة وخلال السنوات الخمس القادمة وربما إلى الأبد سوف يسبق اسمه لقب المعلم ليصبح «المعلم شي».

 


ولئن استمد «المعلم ماو» شرعيته من الإطاحة بجمهورية الصين الوطنية بقيادة حزب الكومينتونغ المصنف في الأدبيات الصينية المعاصرة في خانة الرجعية والامبريالية الرأسمالية، ومن تأسيس نظام شيوعي راديكالي على أنقاض النظام القديم وإحداث تغييرات جذرية في حياة الانسان الصيني معمدة بالدم والقهر والبطش والاستعباد على نحو ما حدث في منعطفات «الزحف الكبير» في الأربعينات و«القفزة الكبرى إلى الأمام» في الخمسينات و«الثورة الثقافية» في الستينات، فإن «المعلم شي» يستند على شرعيات منها نقل البلاد في السنوات القليلة الماضية من دولة تعتمد على تصدير سلع استهلاكية رخيصة منخفضة الجودة إلى اقتصاد يركز على الصناعات والخدمات المتقدمة. ومنها تحويل الصين من قوة مهمومة باستراتيجيات إقليمية ضيقة الحدود والمعالم إلى قوة يهابها الجيران وتتطلع الى التوسع والتمدد في الجوار وأعالي البحار، هذا ناهيك عن شرعيته المستمدة من أمر آخر هو ضربة للفساد في مفاصل الدولة والحزب الحاكم والجيش الأحمر.
لكل هذا لم يكن غريبًا أن يجدد له المؤتمر التاسع عشر للحزب الشيوعي الصيني الذي اختتم أعماله مؤخرًا كي يبقى خمس سنوات أخرى في قيادة البلاد قد تتجدد مرارًا وتكرارًا، دون أخذ السن في الاعتبار إلى أن يغيب عن الساحة بالوفاة على نحو ما حدث مع «المعلم ماو».
ومن هنا أيضا لم يكن مستغربا أن يدرج فكره وخططه وفلسفته، علاوة على برامجه ذات الصلة بطريق الحرير (مبادرة أطلقها «المعلم شي» في عام 2013 أمام جمع من الطلبة في جمهورية كازاخستان تضطلع بكين بموجبها بدور أكبر على الساحة الدولية، من خلال تمويل وتشييد شبكات مواصلات ونقل وتجارة في أكثر من 60 بلداً مع تخصيصها مبلغ 124 بليون دولار لتنفيذ الخطة) ضمن ميثاق ودستور الحزب الشيوعي الحاكم وهو لايزال على قيد الحياة ويجلس على رأس السلطة، وذلك في سابقة لم تحدث حتى مع مهندس التغيير والاصلاح الراحل الزعيم «دينغ زياو بينغ» وخلفائه من أمثال الزعيم الأسبق «جيانغ زيمين» والزعيم السابق «هو جينتاو» إلا بعد وفاة الأول وتقاعد الأخيرين.
ومعنى تضمين مانفيستو (ميثاق) الحزب الشيوعي الصيني أفكار وبرامج ونظريات «المعلم شي» هو أن هذه الأمور سوف تدرس في المعاهد والمدارس والجامعات الصينية كجزء أصيل من مناهجها وبالتالي سوف تتربى الأجيال القادمة عليها. ومرة أخرى هذا ما فعله المعلم ماو بعيد ثورته الثقافية المجنونة في ستينات القرن الماضي والتي حصدت خيرة علماء ومبدعي البلاد وأرسلت الملايين منهم إلى معسكرات إعادة التأهيل النائية.
وجملة القول إن «المعلم شي»، خريج كلية الهندسة الكيميائية في جامعة شينخوا ببكين، استطاع من خلال المؤتمر الحزبي الأخير الذي حضره نحو 2300 من المندوبين الممثلين لمختلف المقاطعات الصينية أن ينتزع زعامة وسلطة لا حدود لها مثلما كان يطمح، بل استطاع أيضا أن يزيح عن طريقه رموزًا وشخصيات منافسة بداعي تقدمها في السن، علما بأنه كان قد مهد لذلك بعملية لمكافحة الفساد أبعد من خلالها نحو 1.5 مليون من المسؤولين المشكوك في ولائهم له. كما استطاع «المعلم شي» أن يحقق شيئاً آخر مهما هو أن يحيط نفسه بسبعة أشخاص من الموالين كأعضاء في المكتب السياسي الجديد للحزب الشيوعي الذي يعتبر أعلى أجهزة السلطة. وهؤلاء هم: «لي تشان تشو» المستشار المقرب منه، «وانغ يانغ» نائب رئيس الوزراء، «وانغ هونغ» الخبير في الشؤون الأمريكية، «تشاو لي تسي» رئيس لجنة مكافحة الفساد في الحزب الحاكم والخبير في شئون مكافحة الإرهاب، علاوة على «لي كه تشيانغ» رئيس الوزراء وهو الوجه الوحيد من المكتب السياسي السابق الذي حافظ على موقعه في التعيينات الجديدة.
لكن ماذا سيفعل «المعلم شي» في السنوات القادمة؟ هل سيعمد إلى الإمساك بالسلطة بقبضة حديدية على غرار ما فعله «المعلم ماو»؟ أم أنه سيعمد إلى منح الصينيين جرعات صغيرة متدرجة من الحريات السياسية؟
يجمع المراقبون على أن الزمن قد تغير، وبالتالي ليس أمام «المعلم شي» إدارة الصين بطريقة ماو الفاشستية وخطابه الثوري الراديكالي العقيم. كما يجمعون على أن شخصيته المتسلطة التي تمقت الضغط أو إقتسام السلطة لا تعطي أملا في حدوث إنفراجات سياسية. أما دليلهم فهو حرصه على التبشير بـ «عصر جديد من الاشتراكية على الطريقة الصينية» دور التطرق إطلاقا لمسألة إدخال قدر من الليبرالية على النظام السياسي.
وعليه فإن المتوقع منه أن يعمل على شراء ولاء الصينيين من خلال تحويل الصين إلى مجتمع مزدهر آمن بحلول العام 2021، وتحويل البلاد إلى قوة عالمية عظمى تحظى بالاحترام بحلول العام 2050 طبقا لما قاله بنفسه أمام رجال الصحافة والإعلام في قاعة الشعب الكبرى في بكين في الخامس والعشرين من أكتوبر المنصرم. ولتحقيق هذا، ومن أجل كسب ثقة المواطن الصيني عليه تعزيز وحدة البلاد من خلال مواجهة الحركات الشعبوية والانفصالية، والمضي قدما في ضرب الفساد بالتزامن مع تفعيل مبادرة طريق الحرير، واقتحام ميدان تكنولوجيا الذكاء الصناعي، ومعالجة التفاوت الكبير في الدخل.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها