النسخة الورقية
العدد 11146 الثلاثاء 15 أكتوبر 2019 الموافق 16 صفر 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    4:17AM
  • الظهر
    11:24AM
  • العصر
    2:42PM
  • المغرب
    5:10PM
  • العشاء
    6:40PM

كتاب الايام

مطارحات

نور في نهاية النفق... العرب هل أصبحوا «الرجل المريض» للنظام الدولي الجديد؟

رابط مختصر
العدد 10431 الإثنين 30 أكتوبر 2017 الموافق 10 صفر 1439

خلال نقاش حول الوضع العربي المزري ومدى الأمل في الخروج من هذه اللحظة المأساوية على كافة الأصعدة، كان السؤال الذي يتردد طوال الوقت هو: وماذا بعد؟ هل هنالك من مخرج من الحالة التي نحياها ونحن نشعر بالعجز إزاء احتمالات النهوض مجددًا؟
قال أحد الأصدقاء ملخصًا الحال من وجهة نظره: قبل التفكير في الحل والآفاق، دعنا أولاً نشخِّص حالتنا بشكل دقيق، فجميع الدول من حولنا تمتلك مشروعها القومي، إلا نحن فلم نعدْ نمتلك شيئًا من ذلك، ولهذا لم يعدْ من الممكن الحديث واقعيًا عن عرب او وطن عربي. فالأتراك لديهم مشروعهم، وكذلك الإيرانيون والروس والأمريكان والأوروبيون وغيرهم، نحن فقط فقدنا البوصلة تقريبًا، منذ فقدنا مشروعنا العربي الذي كان يتمحور حول الهوية والتنمية وبناء الوحدة والتضامن.
قلت: إن جلد الذات والتباكي على اللبن المسكوب لم يعدْ يفيد في شيء، فالحقيقة التي أرجحها، أن هنالك إدراكًا متعاظمًا لدى قطاعات واسعة من الرأي العام العربي، وفي مقدمتها قطاع العاملين بشؤون الفكر والثقافة، بالمخاطر الناجمة عن إخفاق المشروع الحضاري العربي الموصوف في الغالب بمشروع النهضة العربية الحديثة التي وصلت إلى طريق مسدودة. وبقدر ما يصيب هذا الإحساس بالضيق من انسداد الأفق وألم الخيبة التي تسبب فيها بالدرجة الأولى النظام العربي ومنوال التنمية المرتبك، بقدر يجب أن يبعث الشك بطرائق العمل الماضية، ويستفز التفكير المتجدد الذي حبس لحقبة طويلة في القوالب الإيديولوجية الفارغة، ويحثه على التأمل وعلى توسيع دائرة رؤيته واستقصاء آفاق جديدة، ويدفع بالمناقشة إلى مستويات أعلى تتجاوز المشكلات والإشكاليات الجزئية والثانوية لتصب في مشكلات التحول الكبرى: التاريخية والجغرافية والسياسية والحضارية. بما يتطلبه ذلك من مراجعة ذاتية ومن نقد ذاتي، يفترض به أن يخلق تربة صحية لشحذ آلة الفكر النقدي، وتطوير منهج أكثر صرامة وعقلانية لمواجهة الوضع الاجتماعي والسياسي البائس في أغلب مظاهره، واستنفار همة أقوى تصميمًا وأعظم جرأة على وضع المسلمات والصيغ الشائعة المبتذلة والدروب المطروقة موضع الشك والسؤال.
 لكن هذا الشعور لا يحمل فقط مكاسب إيجابية، ولكن يمكن أن ينطوي كذلك على مخاطر ومحاذير كبيرة تهدد بتحويل الإخفاق إلى الإحباط المحبط لكل عزيمة، وإلى تسريع عملية التراجع عن الثوابت العربية الجامعة، بما يساعد على تسريع الانهيار والتآكل الذي بدت مظاهره تعلن عن نفسها في سياق عودة اتجاهات عدمية بقوة إلى الساحة الفكرية والسياسية أو في اتجاه بروز تيارات معادية للهوية العربية تحت ستار الدين او الطائفة أو المناطقية الضيقة، بما يقود البعض إلى النظر لمجموع تاريخ العرب الحديث والقديم كسلسلة متواصلة من المآسي والهزائم مصدرها انحطاط الذات وانعدام القدرة، ونقص الكفاءة في المجتمع العربي أو في ثقافته على مواجهة تحديات التاريخ والرد الإيجابي عليها.
قال الصديق: أتفق معك بأن الإخفاق هنا يتحول إلى حالة كارثية وليس إلى دافع للتجاوز، لأنه يتم تصويره في بعض الأحيان كما لو كان تجسيدا لعاهة فطرية عربية، أو ثمرة حتمية لنقيصة ذاتية وخطيئة أصلية، هكذا كان يردد المستشرق الفرنسي رينان مثلاً، والذي يرى أن مآسي العرب متأتية من خلل في الثقافة والهوية نفسها، ولذلك عندئذ يغلب موقف الندب والنواح على موقف العقل والمراجعة والانفتاح يبدأ التآكل يحقق أهدافه القاتلة التي أوصلتنا في بعض الحالات المرضية إلى التنصل من ثوابتنا، والى التنصل على من نعت أنفسنا بالعرب (نتذكر هنا موقف بعض النخب السياسية العربية التي ترفض حتى مجرد إطلاق اسم العربي على الخليج!!!). وبذلك تكون النتيجة تكريسًا متجددًا للسلوكية السلبية وللتوجه الاستشهادي وتعذيب النفس وتأنيب الضمير وجلد الذات، وكلها من المشاعر التي لا تساعد على استعادة الروح العملية والطفرة التاريخية والممارسة الإيجابية، كأن يصل الشك بأن الإخفاق لا يعبر فقط عن عدم فعالية الاستراتيجيات والوسائل التي اتبعت في الحقبة الماضية وضعفها، ولكن أيضا عن تهافت الأهداف والمبادئ التي قامت عليها فكرة النهضة العربية. فيقع التشكيك في صلاحية العمل القومي ذاته وفي نجاعة التحول الاجتماعي وفي مصداقية المبادئ الإنسانية. فتتطور دعوة انكفاء كل قطر وكل جماعة وكل طائفة على نفسها، ولا تهتم إلا بخدمة مصالحها الجزئية والخصوصية. وهكذا يصبح الحديث عن الإخفاق وسيلة لتدعيم الممارسات السلبية، والاتجاهات التقسيمية التي كانت نفسها من أسباب هذا الإخفاق ومكوناته. فبقدر ما يؤدي الموقف إلى الهرب إلى الأمام، والشطب على مكاسب قرون كاملة من التجربة والخيرة التاريخية المتراكمة، ومحوها والعمل على دفنها، والبدء دائمًا من نقطة الصفر، فيتحول موقف التجديد والتنوير إلى موقف التمرد السلبي والاحتجاج والتدمير، ويؤدي الموقف المتراجع عن الثوابت إلى الانكفاء نحو مواقع صرف المجتمع قرونا طويلة لتجاوزها وتبديلها والارتفاع عليها.
قلت: أضيف إلى ذلك تلك التعبيرات الخطيرة التي تكرس هذا الوضع المختل في واقعنا السياسي والفكري العربيين هذا التردد والتقلب والتجاذب بين موقفين متطرفين يشكلان معًا أساس الموقف السلبي العام من التاريخ العربي ومن الهوية العربية، هما: تطرف الحلم بحضارة جديدة كاملة بديلة لحضارة الغرب السائد جملة وتفصيلاً، مبنى ومعنى، وتطرف آخر يتمثل في الهروب من الواقع إلى الماضي واعتباره الحل المنقذ، فيكون للعرب إما متماهيًا كلية مع الغرب، وإما يكونون ضمن عدمية بتجاوز الوضع القائم بعدمه أو بإعدامه من خلال الهروب من واجهة الحاضر او البحث عن أجوبة تحديات الحاضر في الماضي.
وبين التطرفين منظور ضائع بين التعلق بأمل تحسين ظروف التنمية الاقتصادية وتوفير الأمن والاستقرار، وبين التعلق بطموح النهوض مجددًا دون غوغائية أو قفز في المجهول، كما يراهن على تطوير إدارة الدولة والعقلانية، وتعبئة النخبة التكنوقراطية في الأجهزة الاقتصادية والحكومية والعسكرية لتحقيق الأهداف الواقعية التي تسهم في إدراج العرب ضمن السياق الإنساني العالمي، هذه الرؤية التاريخية هي التي يجب تعزيزها لأنها تضع الأمور في سياقها الطبيعي، وتنظر إليها من وجهة الفرص المتوافرة والإمكانات الفعلية، هي الغائبة الكبرى، لذلك ليس من الصدفة أن تبقى هذا المشاريع كما هي عليه الآن مجرد أحلام فردية وآمال وإمكانات مصيرها الحقيقي في علم الغيب.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها